الأحد، 8 يناير 2017

من وصايا محمد الخامس للحسن الثاني

من كلمات بطل التحرير محمد الخامس لابنه ووارث سره الحسن الثاني تغمدهما الله برحمته الواسعة:
لقد كان الإسلام هو غذاؤنا الروحي في سنوات الكفاح الطويلة، ولولاه ما صمدنا في وجه الاستعمار.. فلا حياة ولا مستقبل لنا إلا بالإسلام، وإن انتصارنا على الاستعمار كان انتصارا للقرآن على خصومه، ولولا هذا الكتاب الذي جمع قلوب مواطنينا على اختلاف عناصرهم وقومياتهم لانتهت أمة المغرب والشمال الإفريقي من زمن طويل، ولأصبحت هذه الديار قطعة أوربية حقيقة لا مجازا.
حقا : لقد كان القرآن رائدنا في معركة التحرر، وسيظل كذلك بالنسبة لنا في معركة الوحدة والبناء.
وقد عبر بصدق وبأصدق تعبير عن المذهب الرسمي للدولة المغربية لما سئل فقال: هو الإسلام، الذي منه استمدت الأمة المغربية قبل الاستقلال جدوة المقاومة والنضال، والفدائية والكفاح، وتستمد في عهد بناء الإستقلال الأسس الحكيمة والقواعد السليمة لهذا البناء، كي يكون قويا متينا مباركا كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
فها هو ذا جلالة محمد الخامس- طيب الله ثراه، وجعل الفردوس مأواه- يبتدئ أول ما يبتدئ بفلذة كبده، ولي عهده، وخليفته من بعده، جلالة الحسن الثاني، أطال الله بقاءه، وأعز دوما لواءه، فيوجه إليه خطابا توجيهيا، كان مما ورد فيه :
« يا بني : لقد اخترت لك من السماء «الحسن» لأربط بين حاضر البلاد وماضيها القريب والبعيد، وليكون لك في جدك المولى «الحسن» خير إسوة، وأعظم قدوة. فلم تكد تطل على السادسة من عمرك حتى قدمتك للمعلم ليلقنك آيات القرآن، وليغرس في قلبك الطاهر الفتي حب الدين وعزة العروبة والإسلام. ولما ترعرعت يا بني اخترت بقاءك تحت سماء المغرب ليتم تكوينك الثقافي في بيئة مغربية .. فأعددتك مواطنا مغربيا قبل إعدادك أميرا...
وكنت أدفعك لتتعمق في فهم معنى قيم الشعب لتخدمه الخدمة الصادقة .. وإياك أن تحيد عن صراط الإسلام القويم، أو تتبع غير سبيل المؤمنين، فإنه لا عدة في الشدائد كالإيمان، ولا حيلة في المحامل كالتقوى.
واعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وتقرب منه بالأعمال الصالحة ذراعا يتقرب منك توفيقه باعا. واجعل القرآن المصباح الذي تستضيء به إذا أدلهمت الدياجي، واشتبهت عليك السبل، وليكن لك في رسول الله وصالحي الخلفاء أسوة حسنة، أولئك الذين هدى الله، فبهداهم اقتده.»
« يقول جلالة الحسن الثاني-: من هذه الوصايا الكريمة، استمددت العون، واستلهمت الرشد، واستعدت العزم .. وإذا كانت البنوة تفرض طاعة الآباء بتنفيذ أوامرهم وهم أحياء، فهي كذلك تفرض تنفيذ وصاياهم وهم أموات».
وإننا لنجد ونجتهد لا لنعيد لهذا الكتاب العزيز مجده والتعامل به، فالله سبحانه وتعالى قد تكفل بذلك، فالله خير حافظ للقرآن، وهو أرحم الراحمين، ولكن جهادنا واجتهادنا هو العمل اليومي على أن يصير كتاب الله عملة خُلُقية وانسانية وقانونية، ليتعامل به جميع بني الإنسان مسلمين كانوا أو عربا، وأملنا في الله سبحانه وتعالى أن يحقق رجاءنا وأملنا، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما اجتمعت أمتي على ضلال»، فأي هدى أهدى وأحلى وأفضل من هدى القرآن! وأي حق أحق من كتاب الله؟ فإذن من باب أولى وأحرى أن يجتمع المسلمون على كتاب الله.
وإذن فقد وقع إجماع المغرب- ملكا وشعبا- منذ أيام الكفاح الأولى على الإسلام باعتباره دستورا للحكم، ومبدأ للتشريع، ومنطلقا للحيوية في جميع مرافق النشاط بالمغرب، فضلا عن كونه عقيدة مقدسة يعيش بها ولها،...
وما أن يتولى جلالة الحسن الثاني المعظم عرش المغرب المجيد حتى يكون منذ الوهلة الأولى امتدادا لجلالة والده المنعم :
يقول حفظه الله في أول خطاب وجهه إلى الشعب إثر توليه العرش :
... أعلن لك شعبي العزيز أنني أمسكت معتمدا على الله مقاليد الملك، وتربعت على عرش أسلافي المنعمين تلبية للإرادة الإجماعية التي تمثلت في بيعتك لي، وتنفيذا لعهد جلالة ملكنا المرحوم، وإرضاء للواجب الوطني المقدس.
وإنني أعاهد الله وأعاهدكم على أن اضطلع بمسؤولياتي، وأودي واجبي طبق مبادئ الإسلام وقيمه السامية، وتقاليدنا القومية العريقة، ومقتضيات مصلحة الوطن العليا. كما أعاهد الله وأعاهدكم على أن أدافع عن حوزة الوطن واستقلاله وسيادته، وأحرص على وحدته وإعلاء شانه بين الدول ...
ووكذلك فعل رحمه الله، فقد نظم أكبر مسيرة لم يشهد التاريخ الإنساني، فتمكن من إخراج المستعمر وتحرير الصحراء الغربية من غير إراقة دماء.

وأول نصر حققه المغرب في هذا المجال أثناء الاستقلال هو ما نص عليه دستورنا المغربي من أن «الإسلام دين الدولة» وأن «الدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق