ضوابط خروج المرأة من بيتها قال الشيخ محمد صالح المنجد:
جاء الإسلام ليحفظ للمرأة كرامتها وعرضها ، وشرع لها من الأحكام ما يحافظ على ذلك،
وقال الله تعالى: {وقرن في بيوتكن} [الأحزاب: 33] وبناء على ذلك فإنّ الأصل: بقاء المرأة
في بيتها، وعدم خروجها إلا لضرورة أو حاجة، وجعل الإسلام صلاة المرأة في بيتها خيرا
لها من صلاتها في المسجد - ولو كان المسجد الحرام -. وهذا لا يعني أن تظل المرأة حبيسة
البيت، بل أباح لها الإسلام الذهاب إلى المسجد، وأوجب عليها الحج والعمرة وصلاة العيد
وغير ذلك، ومن الخروج المشروع لها خروجها لزيارة أهلها ومحارمها والخروج للاستفتاء
وسؤال أهل العلم وكذلك أُذَن للنساء أن يخرجن لحوائجهن، لكن كل هذا لا يكون إلا وفق
ضوابط الشرع من حيث المحرم للسفر، والأمن في الطريق في الحضر، وكذا أن تخرج بحجابها
الكامل، وأن لا تكون متبرجة أو متزينة أو متعطرة. وقد ورد في ذلك بعض النصوص الشرعية
ومنها: أ. عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا
استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها» رواه البخاري ( 827 ) ومسلم ( 442 )
. ب. عن زينب امرأة عبد الله قالت قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا شهدت
إحداكن المسجد فلا تمس طيبا» (مسلم:443). ج. عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه
يقول طُلِّقت خالتي فأرادت أن تَجدَّ نخلها ( أخذ ثمار الشجر) فزجرها رجل أن تخرج فأتت
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « بلى فجُدِّي نخلك فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا
» (مسلم:1483). ضوابط عمل المرأة الحمد لله أولاً: الأصل أن تبقى المرأة في بيتها،
وألا تخرج منه إلا لحاجة، قال الله تعالى: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية
الأولى} ) [الأحزاب: 33]، وهذا الخطاب وإن كان موجها إلى زوجات النبي صلى الله عليه
وسلم ورضي الله تعالى عنهن، فإن نساء المؤمنين تبع لهن في ذلك، وإنما وجه الخطاب إلى
زوجات النبي صلى الله عليه وسلم؛ لشرفهن ومنزلتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم
رضي الله تعالى عنهن، ولأنهن القدوة لنساء المؤمنين رضي الله تعالى عنهن. وقد قال عليه
الصلاة والسلام: «المرأة عورة، وإنها إذا خرجت استشرفها الشيطان، وإنها لا تكون أقرب
إلى الله منها في قعر بيتها» رواه ابن حبان وابن خزيمة، وصححه الألباني في السلسة الصحيحة
برقم (2688) . وقال صلى الله عليه وسلم في شأن صلاتهن في المساجد : «وبيوتهن خير لهن»
رواه أبو داود (567)، وصححه الألباني في (صحيح أبي داود). ثانياً: يجوز للمرأة أن تخرج
من بيتها للعمل، وذلك وفق ضوابط معينة إذا توفرت جاز للمرأة أن تخرج ، وهي: - أن تكون
محتاجة إلى العمل، لتوفير الأموال اللازمة لها. - أن يكون العمل مناسبا لطبيعة المرأة
متلائما مع تكوينها وخلقتها، كالتطبيب والتمريض والتدريس والخياطة ونحو ذلك. - أن يكون
العمل في مجال نسائي خالص، لا اختلاط فيه بالرجال الأجانب عنها. - أن تكون المرأة في
عملها ملتزمة بالحجاب الشرعي. - ألا يؤدي عملها إلى سفرها بلا محرم. - ألا يكون في
خروجها إلى العمل ارتكاب لمحرم، كالخلوة مع السائق، أو وضع الطيب بحيث يشمها أجنبي
عنها . - ألا يكون في ذلك تضييع لما هو أوجب عليها من رعاية بيتها، والقيام بشئون زوجها
وأولادها. قال الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله تعالى: "المجال العملي للمرأة
أن تعمل بما يختص به النساء مثل أن تعمل في تعليم البنات سواء كان ذلك عملا إداريّاً
أو فنيّاً، وأن تعمل في بيتها في خياطة ثياب النساء وما أشبه ذلك، وأما العمل في مجالات
تختص بالرجال، فإنه لا يجوز لها أن تعمل حيث إنه يستلزم الاختلاط بالرجال، وهي فتنة
عظيمة يجب الحذر منها , ويجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال
: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء وأن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء»،
فعلى المرء أن يجنب أهله مواقع الفتن وأسبابها بكل حال " انتهى. (فتاوى المرأة
المسلمة:2 / 981). فإذا كانت هذه الشروط متوفرة في عملك فلا حرج عليك فيه إن شاء الله
تعالى. حكم إزالة شعر الوجه للمرأة الحمد لله أولاً: جاء في فتاوى اللجنة الدائمة
(17/133): "لا تجوز إزالة شعر الحاجب لأن هذا هو النمص الذي لعن النبي صلى الله
عليه وسلم من فعله، وهو من تغيير خلق الله الذي هو من عمل الشيطان، ولو أمرها به زوجها
فإنها لا تطيعه؛ لأنه معصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة في المعروف
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم" اهـ. ثانياً: يجوز إزالة جميع شعر الجسم ما
عدا شعر الحاجب . جاء في فتاوى اللجنة الدائمة (17/130): "دليل أخذ المرأة لشعر
بدنها العمل بالأصل، وأنه مطلوب منها أن تتزين لزوجها، وليس هناك دليل يمنع من ذلك
غير ما ورد في النهي عن النمص، وهو أخذ شعر الحاجبين" اهـ . وجا فيها أيضاً
(5/197): "ما حكم الإسلام في نتف الشعر الذي بين الحاجبين؟ فأجابت اللجنة: يجوز
نتفه؛ لأنه ليس من الحاجبين" اهـ . والله تعالى أعلى وأعلم. حكم استعمال مواد
التجميل الحمد لله استعمال النساء أدوات التجميل جائز من حيث الأصل، إلا أنه ينبغي
عند القول بالجواز مراعاة عدة أمور، منها: 1. أن يكون تجملها هذا لغير الأجانب من الرجال،
وأولى من تتجمل لأجله هو زوجها، فإذا استعملت أدوات التجميل من أجل أن يراها زوجها
على أحسن حال، أو ظهرت بها عند النساء، أو محارمها: جاز لها ذلك، وإلا لم يجُز ؛ لأن
الأصل أنها تستر بدنها جميعه عن الرجال الأجانب، فكيف يباح لها زيادة على ذلك أن تتجمل
لهم؟!. 2. أن تكون الأدوات المستعملة في التجمل مباحة، كالحناء ، والكحل ... ولا يجوز
لها استعمال شحوم الميتة، أو المواد النجسة؛ لنهي الشرع عن قربان النجاسات والمحرمات.
3. أن تكون الأدوات المستعملة في التجمل غير ضارَّة لبدنها، فلا يجوز لها استعمال المواد
الكيميائية الضارة، سواء كان ذلك الضرر حالاً، أو مستقبلاً؛ لنهي الشرع عن الضرر بالنفس،
كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ ضَرَر ، وَلاَ ضِرَار». 4. أن تكون مواد التجميل
مؤقتة الأثر على البدن، فلا يحل لها استعمال تلك الأدوات في تغيير خلق الله تعالى،
كما تفعله بعض النساء من نفخ الشفتين، وتقشير الوجه، ومن الوشم الدائم، وتغيير لون
الجلد تغييراً دائماً. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: تجمُّل المرأة لزوجها
في الحدود الشرعيَّة من الأمور التي ينبغي لها أن تقوم به؛ فإن المرأة كلما تجمَّلت
لزوجها كان ذلك أدعى إلى محبَّته لها وإلى الائتلاف بينهما، وهذا مقصود للشارع، فالمكياج
إذا كان يجمِّلها ولا يضرها فإنه لا بأس به ولا حرج. ولكني سمعت أن المكياج يضر بشرة
الوجه وأنه بالتالي تتغير به بشرة الوجه تغيُّراً قبيحاً قبل زمن تغيرها في الكبَر،
وأرجو من النساء أن يسألن الأطباء عن ذلك، فإذا ثبت ذلك: كان استعمال المكياج إما محرَّماً
أو مكروهاً على الأقل؛ لأنَّ كل شيءٍ يؤدي إلى التشويه والتقبيح فإنه إما محرَّم وإما
مكروه. وبهذه المناسبة أود أن أذكر ما يسمَّى (المناكير) وهو شيءٌ يوضع على الأظفار
تستعمله المرأة وهو له قشرة، وهذا لا يجوز استعماله للمرأة إذا كانت تصلِّي؛ لأنه يمنع
وصول الماء في الطهارة، وكل شيءٍ يمنع وصول الماء فإنه لا يجوز استعماله للمتوضئ أو
المغتسل؛ لأن الله تعالى يقول : {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم } [المائدة:6]، وهذه المرأة
إذا كان على أظفارها مناكير فإنها تمنع وصول الماء فلا يصدُق عليها أنها غسلت يدها،
فتكون قد تركت فريضة من فرائض الوضوء أو الغسل، وأما من كانت لا تصلي فلا حرج عليها
إذا استعملتْه إلا أن يكون هذا الفعل من خصائص نساء الكفار فإنه لا يجوز لما فيه من
التشبه بهم (فتاوى المرأة المسلمة:1 / 474). وأيضا قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله
تعالى: "تحمير الشفاه لا بأس به لأن الأصل الحل حتى يتبين التحريم ، ... ، ولكن
إن تبين أنه مضر للشفة، ينشفها ويزيل عنها الرطوبة والدهنية فإنه في مثل هذه الحال
ينهى عنه، وقد أُخبرت أنه ربما تتشقق الشفاة منه، فإذ ثبت هذا فإن الإنسان منهي عن
فعل ما يضره " (فتاوى منار الإسلام: 3 / 831). وكتب الدكتور وجيه زين العابدين
مقالاً في مجلة الوعي الإسلامي عن الأضرار التي قد تسببها أدوات التجميل المنتشرة الآن
والتي تستعملها النساء جاء فيه: ... وقد يُعرِّض الأحمر الشفاة للتورم أو تبيس جلدها
الرقيق وتشققه لأنه يزيل الطبقة الحافظة للشفة ... نقلاً من كتاب (زينة المرأة المسلمة
للشيخ عبد الله الفوزان: ص 51 ). فعلى المرأة المسلمة التأكد قبل استعمال أدوات التجميل
المنتشرة الآن من أنها لا تضر بدنها. والله تعالى أعلى وأعلم. حكم استعمال مزيل العرق
للنساء الحمد لله يمكن تقسيم أنواع مزيل العرق – من حيث حكم استعمال المرأة له – إلى
نوعين : الأول: مزيل عرق معطر برائحة ظاهرة، فهذا النوع لا يجوز للمرأة استعماله خارج
المنزل، إذا غلب على ظنها أنها ستمر ببعض الرجال فيشمون رائحته. والدليل على ذلك حديث
زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا
تَمَسَّ طِيبًا» رواه مسلم (443). فإذا كان صلى الله عليه وسلم قد نهى المرأة عن الخروج
إلى المسجد بالطيب؛ لأن الغالب أن الرجال سيجدون من ريحها بسبب قرب المكان وعدم الحواجز
بين الرجال والنساء، فمن باب أولى أن تمنع المرأة التي تخرج إلى الأسواق ومجامع الناس
من استعمال الطيب. النوع الثاني: مزيل عرق غير معطر، أو له رائحة يسيرة غير ظاهرة،
لا تتعدى من استعمله، فهذا النوع لا حرج على المرأة أن تستعمله، وليس هناك ما يمنع
منه. قال الرملي الشافعي رحمه الله تعالى: "أما المرأة فيكره لها الطيب والزينة
وفاخر الثياب عند إرادتها حضورها، نعم، يسن لها قطع الرائحة الكريهة " انتهى.
وقد علق الشبراملسي على كلامه بقوله: " (نعم، يسن لها قطع الرائحة الكريهة) أي:
وإن ظهر لما تزيل به ريح حيث لم يتأت إلا به – يعني بشرط ألا يشتم رائحته الرجال -
" انتهى من (نهاية المحتاج:2/340). وأما إذا غلب على ظن المرأة أنها لن تمر بالرجال،
وإنما ستكون بين النساء وبنات جنسها، فلا حرج عليها حينئذ أن تستعمل الطيب، وكذلك مزيل
العرق. والله تعالى أعلى وأعلم. حكم تركيب الرموش الصناعية الحمد لله يحرم على المرأة
تركيب الرموش الصناعية، لأنها تدخل في وصل الشعر الذي لعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فعله . روى البخاري ومسلم (2122) عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي
بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَتْ جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي ابْنَةً عُرَيِّسًا (تصغير
عروس) أَصَابَتْهَا حَصْبَةٌ فَتَمَرَّقَ ( وفي رواية : تمزق ) شَعْرُهَا أَفَأَصِلُهُ؟
فَقَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ». روى البخاري (5205) ومسلم
(2123) عَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أَنَّ جَارِيَةً مِنْ الأَنْصَارِ
تَزَوَّجَتْ وَأَنَّهَا مَرِضَتْ فَتَمَرَّطَ شَعَرُهَا (أي سقط) فَأَرَادُوا أَنْ
يَصِلُوهُ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ
فَلَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ. قال النووي رحمه الله تعالى: (تَمَرَّقَ)
بِمَعْنَى تَسَاقَطَ. وَأَمَّا الْوَاصِلَة: فَهِيَ الَّتِي تَصِل شَعْر الْمَرْأَة
بِشَعْرٍ آخَر، وَالْمُسْتَوْصِلَة: هي الَّتِي تَطْلُب مَنْ يَفْعَل بِهَا ذَلِكَ،
وَيُقَال لَهَا: مَوْصُولَة. وَهَذِهِ الأَحَادِيث صَرِيحَة فِي تَحْرِيم الْوَصْل،
وَلَعْن الْوَاصِلَة وَالْمُسْتَوْصِلَة مُطْلَقًا، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر الْمُخْتَار
اهـ. والرموش الصناعية يتحقق فيها هذا المعنى، وهو وصل الشعر، فإن الرموش الطبيعية
توصل بالرموش الصناعية. وأيضاً: ذكر بعض الأطباء أن الرموش الصناعية تؤدي إلى حساسية
مزمنة بالجلد والعين والتهابات في الجفون وتؤدي إلى تساقط الرموش. فيكون في استعمالها
ضرراً، وقد منع الشارع ذلك كما قال عليه الصلاة والسلام «لا ضرر ولا ضرار» انظر :
(زينة المرأة بين الطب والشرع: ص 33). وينبغي أن تتنبه المرأة المسلمة إلى أن الاهتمام
بمثل هذه الأمور قد يكون إغراقاً في التنعم والترفه، وإهداراً للأوقات والأموال التي
يمكن الاستفادة منها فيما هو أنفع للمسلمين، لاسيما في هذه الأوقات التي ضعفت فيها
العزائم، وفترت الهمم. وصُرِفت المرأة عن مهمتها الأساسية في تربية الجيل إلى الاهتمام
البالغ بمثل هذه الأمور. والله تعالى أعلى وأعلم. صبغ المرأة لشعرها من أجل التجمل
الحمد لله "الأصل في الأشياء غير العبادات الحل، وعلى هذا فيجوز للمرأة أن تصبغ
رأسها بما شاءت من الصبغ، إلا إذا كان سواداً تخفي به شيبها فإن ذلك لا يجوز، لأن النبي
صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بتغيير الشيب، وقال: «جنبوه السواد» أو إذا كانت هذه
الأصباغ مما تختص به النساء الكافرات بحيث إذا شوهدت هذه المرأة قيل: هذه امرأةٌ كافرة،
لأنه لا تصبغ هذا الصبغ إلا امرأةٌ كافرة، فحينئذٍ يحرم على المرأة أن تصبغ به، لأن
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من تشبه بقومٍ فهو منهم» فإذا خلا هذا الصبغ
من هذين العنصرين أعني : السواد لإخفاء الشيب، أو الصبغ الذي تختص به النساء الكافرات،
فإن الأصل الإباحة، فلتصبغ المرأة بما شاءت" انتهى. فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين
رحمه الله تعالى (فتاوى نور على الدرب). أحكام الحيض الحمد لله "للحيض أحكام كثيرة
تزيد على العشرين، نذكر منها ما نراه كثير الحاجة، فمن ذلك: الأول: الصلاة فيحرم على الحائض الصلاة فرضها ونفلها ولا تصح منها،
وكذلك لا تجب عليها الصلاة إلا أن تدرك من وقتها مقدار ركعة كاملة، فتجب عليها الصلاة
حينئذ، سواء أدركت ذلك من أول الوقت أم من آخره. مثال ذلك من أوله: امرأة حاضت بعد
غروب الشمس بمقدار ركعة فيجب عليها إذا طهرت قضاء صلاة المغرب لأنها أدركت من وقتها
قدر ركعة قبل أن تحيض. ومثال ذلك من آخره: امرأة طهرت من الحيض قبل طلوع الشمس بمقدار
ركعة فيجب عليها إذا تطهرت قضاء صلاة الفجر، لأنها أدركت من وقتها جزءاً يتسع لركعة.
أما إذا أدركت الحائض من الوقت جزءاً لا يتسع لركعة كاملة، مثل أن تحيض في المثال الأول
بعد الغروب بلحظة أو تطهر في المثال الثاني قبل طلوع الشمس بلحظة، فإن الصلاة لا تجب
عليها ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»
(متفق عليه)، فإن مفهومه أن من أدرك أقل من ركعة لم يكن مدركاً للصلاة. * وأما الذكر
والتكبير والتسبيح والتحميد، والتسمية على الأكل وغيره، وقراءة الحديث والفقه والدعاء
والتأمين عليه واستماع القرآن فلا يحرم عليها شيء من ذلك، فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكيء في حجر
أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي حائض فيقرأ القرآن. وفي الصحيحين أيضاً
عن أم عطية رضي الله تعالى عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج العواتق
وذوات الخدور والحيض ـ يعني إلى صلاة العيدين ـ وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين ويعتزل
الحيض المصلى» . فأما قراءة الحائض القرآن الكريم بنفسها، فإن كان نظراً بالعين أو
تأملاً بالقلب بدون نطق باللسان فلا بأس بذلك، مثل أن يوضع المصحف أو اللوح فتنظر إلى
الآيات وتقرأها بقلبها، قال النووي رحمه الله تعالى في (شرح المهذب): جائز بلا خلاف.
وأما إن كانت قراءتها نطقاً باللسان فجمهور العلماء على أنه ممنوع وغير جائز. وقال
البخاري وابن جرير الطبري وابن المنذر رحمهم الله تعالى: هو جائز، وحكي عن مالك وعن
الشافعي في القول القديم حكاه عنهما في (فتح الباري) وذكر البخاري تعليقاً عن إبراهيم
النخعي: لا بأس أن تقرأ الآية. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (الفتاوى) : "ليس
في منعها من القرآن سنة أصلاً، فإن قول: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن)
حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث. وقد كان النساء يحضن في عهد النبي صلى الله
عليه وسلم، فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة، لكان هذا مما بينه النبي صلى الله
عليه وسلم لأمته وتعلمه أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وكان ذلك مما ينقلونه في
الناس، فلما لم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك نهياً لم يجز أن تجعل
حراماً، مع العلم أنه لم ينه عن ذلك، وإذا لم ينه عنه مع كثرة الحيض في زمنه علم أنه
ليس بمحرم" انتهى . * والذي ينبغي بعد أن عرفنا نزاع أهل العلم أن يقال: الأولى
للحائض ألا تقرأ القرآن الكريم نطقاً باللسان إلا عند الحاجة لذلك، مثل أن تكون معلمة
فتحتاج إلى تلقين المتعلمات، أو في حال الاختبار فتحتاج المتعلمة إلى القراءة لاختبارها
أو نحو ذلك. الحكم الثاني: الصيـام فيحرم على
الحائض الصيام فرضه ونفله ، ولا يصح منها لكن يجب عليها قضاء الفرض منه لحديث أم المؤمنين
عائشة رضي الله عنها: "كان يصيبنا ذلك ـ تعني الحيض ـ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر
بقضاء الصلاة" (متفق عليه). وإذا حاضت وهي صائمة بطل صيامها ولو كان ذلك قبيل
الغروب بلحظة، ووجب عليها قضاء ذلك اليوم إن كان فرضاً . أما إذا أحست بانتقال الحيض
قبل الغروب لكن لم يخرج إلا بعد الغروب فإن صومها تام ولا يبطل على القول الصحيح ،
لأن الدم في باطن الجوف لا حكم له، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن المرأة
ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها من غسل ؟ قال : «نعم إذا هي رأت الماء». فعلق
الحكم برؤية المني لا بانتقاله، فكذلك الحيض لا تثبت أحكامه إلا برؤيته خارجاً لا بانتقاله.
وإذا طلع الفجر وهي حائض لم يصح منها صيام ذلك اليوم ولو طهرت بعد الفجر بلحظة. وإذا
طهرت قبيل الفجر فصامت صح صومها، وإن لم تغتسل إلا بعد الفجر، كالجنب إذا نوى الصيام
وهو جنب ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر فإن صومه صحيح ، لحديث أم المؤمنين عائشة رضي
الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم
في رمضان» (متفق عليه). الحكم الثالث: الطواف بالبيت فيحرم عليها الطواف بالبيت، فرضه
ونفله، ولا يصح منها لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى
عنها لما حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري» . وأما بقية
الأفعال كالسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة ومنى، ورمي الجمار
وغيرها من مناسك الحج والعمرة فليست حراماً عليها، وعلى هذا فلو طافت الأنثى وهي طاهر
ثم خرج الحيض بعد الطواف مباشرة، أو في أثناء السعي فلا حرج في ذلك . الحكم الرابع:
سقوط طواف الوداع عنها فإذا أكملت الأنثى مناسك
الحج والعمرة، ثم حاضت قبل الخروج إلى بلدها واستمر بها الحيض إلى خروجها، فإنها تخرج
بلا وداع، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت
، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» (متفق عليه). وأما طواف الحج والعمرة فلا يسقط عنها
بل تطوف إذا طهرت. الحكم الخامس: المكث في المسجد
فيحرم على الحائض أن تمكث في المسجد حتى مصلى العيد يحرم عليها أن تمكث فيه،
لحديث أم عطية رضي الله عنها: أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج العواتق
وذوات الخدور والحيض» وفيه : «يعتزل الحيض المصلى» (متفق عليه). الحكم السادس: الجماع
فيحرم على زوجها أن يجامعها، ويحرم عليها تمكينه من ذلك لقول الله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ
قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى
يَطْهُرْنَ} . والمراد بالمحيض زمان الحيض ومكانه وهو الفرج. ولقول النبي صلى الله
عليه وسلم : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» يعني الجماع . (رواه مسلم). ولأن المسلمين
أجمعوا على تحريم وطء الحائض في فرجها. وقد أبيح له ولله سبحانه الحمد ما يكسر به شهوته
دون الجماع، كالتقبيل والضم والمباشرة فيما دون الفرج، لكن الأولى ألا يباشر فيما بين
السرة والركبة إلا من وراء حائل، لقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها:
"كان النبي صلى الله عليه وسلم، يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض"(متفق عليه).
الحكم السابع: الطلاق فيحرم على الزوج طلاق
الحائض حال حيضها، لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} ، أي : في حال يستقبلن به عدة معلومة حين الطلاق،
ولا يكون ذلك إلا إذا طلقها حاملاً أو طاهراً من غير جماع، لأنها إذا طلقت حال الحيض
لم تستقبل العدة حيث إن الحيضة التي طلقت فيها لا تحسب من العدة، وإذا طلقت طاهراً
بعد الجماع لم تكن العدة التي تستقبلها معلومة حيث إنه لا يعلم هل حملت من هذا الجماع
،فتعتد بالحمل، أو لم تحمل فتعتد بالحيض ، فلما لم يحصل اليقين من نوع العدة حرم عليه
الطلاق حتى يتبين الأمر. فطلاق الحائض حال حيضها حرام للآية السابقة، ولما ثبت في الصحيحين
وغيرهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض فأخبر عمر رضي الله
تعالى عنه بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
«مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء
طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» . فلو طلق الرجل امرأته
وهي حائض فهو آثم، وعليه أن يتوب إلى الله تعالى، وأن يرد المرأة إلى عصمته ليطلقها
طلاقاً شرعياً موافقاً لأمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فيتركها بعد ردها
حتى تطهر من الحيضة التي طلقها فيها، ثم تحيض مرة أخرى، ثم إذا طهرت فإن شاء أبقاها
وإن شاء طلقها قبل أن يجامعها. ويستثنى من تحريم الطلاق في الحيض ثلاث مسائل: الأولى:
إذا كان الطلاق قبل أن يخلو بها، أو يمسها فلا بأس أن يطلقها وهي حائض، لأنه لا عدة
عليها حينئذ، فلا يكون طلاقها مخالفاً لقول الله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}
. الثانية: إذا كان الحيض في حال الحمل. الثالثة: إذا كان الطلاق على عوض ، فإنه لا
بأس أن يطلقها وهي حائض. وأما عقد النكاح على المرأة وهي حائض فلا بأس به لأن الأصل
الحل، ولا دليل على المنع منه، لكن إدخال الزوج عليها وهي حائض ينظر فيه فإن كان يؤمن
من أن يطأها فلا بأس، وإلا فلا يدخل عليها حتى تطهر خوفاً من الوقوع في الممنوع . الحكم
الثامن : اعتبار عدة الطلاق به ـ أي الحيض ـ فإذا طلق الرجل زوجته بعد أن مسها أو خلا
بها وجب عليها أن تعتد بثلاث حيض كاملة، إن كانت من ذوات الحيض ، ولم تكن حاملاً لقول
الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ }
. أي : ثلاث حيض. فإن كانت حاملاً فعدتها إلى وضع الحمل كله، سواء طالت المدة أو قصرت
لقول الله تعالى: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
} . وإن كانت من غير ذوات الحيض لكبر أو عملية استأصلت رحمها أو غير ذلك مما لا ترجو
معه رجوع الحيض ، فعدتها ثلاثة أشهر لقول الله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ
مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ
يَحِضْنَ} . وإن كانت من ذوات الحيض لكن ارتفع حيضها لسبب معلوم كالمرض والرضاع فإنها
تبقى في العدة وإن طالت المدة حتى يعود الحيض فتعتد به، فإن زال السبب ولم يعد الحيض
بأن برئت من المرض أو انتهت من الرضاع وبقي الحيض مرتفعاً فإنها تعتد بسنة كاملة من
زوال السبب، هذا هو القول الصحيح، الذي ينطبق على القواعد الشرعية، فإنه إذا زال السبب
ولم يعد الحيض صارت كمن ارتفع حيضها لغير سبب معلوم وإذا ارتفع حيضها لغير سبب معلوم،
فإنها تعتد بسنة كاملة تسعة أشهر للحمل احتياطاً غالب الحمل ، وثلاثة أشهر للعدة .
* أما إذا كان الطلاق بعد العقد وقبل المسيس والخلوة، فليس فيه عدة إطلاقاً، لا بحيض
ولا غيره لقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ
أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} . الحكم
التاسع: الحكم ببراءة الرحم أي بخلوه من الحمل، وهذا يحتاج إليه كلما احتيج إلى الحكم
ببراءة الرحم وله مسائل: منها: إذا مات شخص عن امرأة يرثه حملها، وهي ذات زوج، فإن
زوجها لا يطأها حتى تحيض، أو يتبين حملها، فإن تبين حملها، حكمنا بإرثه، لحكمنا بوجوده
حين موت مورثه، وإن حاضت حكمنا بعدم إرثه لحكمنا ببراءة الرحم بالحيض. الحكم العاشر:
وجوب الغسل فيجب على الحائض إذا طهرت أن تغتسل
بتطهير جميع البدن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش رضي الله تعالى
عنها : «فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» رواه البخاري.
* وأقل واجب في الغسل أن تعم به جميع بدنها حتى ما تحت الشعر ، والأفضل أن يكون على
صفة ما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث سألته أسماء بنت شكل عن غسل
المحيض فقال صلى الله عليه وسلم : «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور،
ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً، حتى تبلغ شئون رأسها ، ثم تصب عليها الماء ،
ثم تأخذ فرصة ممسكة ـ أي قطعة قماش فيها مسك فتطهر بها ـ فقالت أسماء : كيف تطهر بها
؟ فقال : سبحان الله ! فقالت عائشة لها: تتبعين أثر الدم» (رواه مسلم). * ولا يجب نقض
شعر الرأس، إلا أن يكون مشدوداً بقوة بحيث يخشى ألا يصل الماء إلى أصوله، لما في صحيح
مسلم من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت:
إني امرأة أشد شعر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ وفي رواية للحيضة والجنابة؟ فقال: «لا،
إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين» . وإذا طهرت
الحائض في أثناء وقت الصلاة وجب عليها أن تبادر بالاغتسال لتدرك أداء الصلاة في وقتها،
فإن كانت في سفر وليس عندها ماء أو كان عندها ماء ولكن تخاف الضرر باستعماله، أو كانت
مريضة يضرها الماء فإنها تتيمم بدلاً عن الاغتسال حتى يزول المانع ثم تغتسل. وإن بعض
النساء تطهر في أثناء وقت الصلاة، وتؤخر الاغتسال إلى وقت آخر تقول: إنه لا يمكنها
كمال التطهر في هذا الوقت، ولكن هذا ليس بحجة ولا عذر لأنها يمكنها أن تقتصر على أقل
الواجب في الغسل، وتؤدي الصلاة في وقتها، ثم إذا حصل لها وقت سعة تطهرت التطهر الكامل
" انتهى. فهذه أهم الأحكام التي تترتب على وجود الحيض من المرأة.
الثلاثاء، 23 يناير 2018
المحافظة على الصحة
منهج الإسلام في المحافظة علي
الصحة العامــــــة ) وذلك من خلال
هذه العناصر الرئيسية التالية :ـ
1ـ نظرة الإسلام إلي الصحة .
2ـ منهج الإسلام في المحافظة علي الصحة .
3ـ الصحة نعمة تحتاج إلي شكر الله عز وجل .
العنصر الأول : نظرة
الإسلام إلي الصحة :ـ
الصحة في نظر الإسلام ضرورة إنسانية، وحاجة أساسية
وليست ترفا، أو أمرا كماليا، ولحياة الإنسان حرمتها، ولا يجوز التفريط بها، أو
إهدارها، إلا في المواطن التي حددتها الشريعة، قال تعالى (مِنْ أَجْلِ
ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا
بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ
رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ
لَمُسْرِفُونَ (32))
(المائدة). كما يستدل من قول الرسول عليه الصلاة
والسلام ” كان فيمن قبلكم رجل به جرح، فجزع فأخذ سكينا، فحز بها يده، مما رقأ الدم
حتى مات، فقال الله تعالى: (بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة) . (رواه البخاري )
ومن يتأمل هدي رسول الله صلي الله عليه وسلم ، يجده أفضل هدي يحفظ الصحة فإن حفظ
الصحة موقوف على تدبير المشرب والملبس والمسكن والهواء والنوم واليقظة والحركة
والسكون، فإذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن وظروفه ، (السن-
محل السكن- السعادة) ، كان ذلك أقرب إلى دوام الصحة والعافية وحفظها وحمايتها، فقد
روى الإمام أحمد في مسنده، من حديث ابن عباس قال، قال رسول الله صلي الله عليه
وسلم: ” نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ “. (رواه البخاري) وأمر
صلى الله عليه وسلم المسلم أن يغتنم هذه النعمة قبل فوات وقتها، وأن يستغلها فيما
يُصلح دينه ودنياه فيقول صلى الله عليه وسلم: “اغتنم خمساً قبل خمس، اغتنم شبابكَ
قبل هرمكِ، وصحتكَ قبل سقمكٍ، وغناكَ قبل فقركِ، وفراغك قبل شُغلك، وحياتك قبل
موتك”. (أخرجه الحاكم في المستدرك وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه ) كما روى ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن محصن الأنصاري قال: قال
رسول الله صلي الله عليه وسلم ( من أصبح معافى ، في جسده آمنا في سربه عنده قوت
يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها “.. البُخَارِي ، في الأدب المفرد وابن ماجة
والتِّرمِذي والأحاديث، الكثيرة في شأن الصحة والعافية لهي أكبر دليل على اهتمام
الإسلام ورسوله الكريم بحفظ الصحة والعناية بها، ولهذه العناية مظاهر وشواهد وآثار.
العنصر الثاني : منهج
الإسلام في المحافظة على الصحة العامـــــــــــة :ـ
إن الإسلام الحنيف ينظر للإنسان علي أنه ذلك
المخلوق المكرم، فاعتنى به، وشرع له من الأحكامِ ما يحفظ حياته، وكرامته، ويقيه
مما يؤذيه ويؤذي صحته، وقد أهتم الإسلامُ بصحة الإنسان أيِّما اهتمام، تُلكم
النعمة العظيمة التي وهبها الله للإنسان، فاعتنى بها، وذَّكر الإنسان بـأهميتها
وعظيم شأنها ولقد تنوعت مظاهر الاهتمام بصحة الإنسان في الإسلام، فلم تقتصر الصحة
على الجسد وحده بل تعدت إلى صحة العقلِ، والصحة النفسية، فأمَّا صحة الأبدان ومن
أساليب الإسلام وتشريعاته ومبادئه التي جاء بها للمحافظة على صحة الإنسان:ـ
1-الحث على النظافة والطهارة . اعتنى الإسلام
بالنظافة عناية فائقة، واهتم بها اهتماما بالغا، وأولاها رعاية خاصة، وذلك لما
للنظافة من أثر عظيم على صحة الأفراد والمجتمعات، وسلامة الأبدان ونضارتها، فهي
عنوان المؤمنين، وسمة من سمات المسلمين , قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) سورة البقرة .
وعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وسلم (الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ). أخرجه أحمد والدارِمِي .
فقد حث الإسلام على الاعتناء بنظافة البدن بصفة
دائمة , فأوجب الاغتسال عند حدوث الجنابة , وبعد انقطاع دم الحيض والنفاس للمرأة ,
كما سن الاغتسال أيام الجمع والأعياد , وعند لبس الإحرام ودخول مكة والطواف . عنْ
أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ:مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ ، فَأَحْسَنَ غُسْلَهُ ، وَتَطَهَّرَ فَأَحْسَنَ طُهُورَهُ ، وَلَبِسَ
مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ ، وَمَسَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ ،
ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ ، وَلَمْ يَلْغُ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ ،
غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى. أخرجه أحمد . كما أمرنا
الله تعالى بأخذ الزينة والاعتناء بطهاة الثوب , والتطيب وبخاصة في أماكن العبادة
, قال تعالى : يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا
وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) سورة
الأعراف. هذا عن طهارة البدن وأما عن طهارة الثوب فقد قال الله لنبيه صلى الله
عليه وسلم : يَا أَيُّهَا
الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ
فَطَهِّرْ (4) سورة المدثر.
عن أبي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ رَسُولَ الله , صلى الله عليه
وسلم , يَقُولُ: إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ , فَأَصْلِحُوا
رِحَالَكُمْ , وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ , حتى تكون كأنكم شامة في الناس , فَإِنَّ
الله لاَ يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلاَ التَّفَحُّشَ. أخرجه أحمد وأبو داود. كما أمرنا
بالمحافظة على طهارة المكان , فعَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِى حَسَّانَ , قَالَ :
سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ
الطَّيِّبَ , نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ , كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ , جَوَادٌ
يُحِبُّ الْجُودَ , فَنَظِّفُواأَفْنِيَتَكُمْ وَلاَ تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ. أخرجه
الترمذي – قال أبو عِيسَى التِّرْمِذِي : هذا حديث غريب. ومن المحافظة على المكان
إماطة الأذى عنه , عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ , قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم:الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا فَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ
الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَأَرْفَعُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) .أخرجه
أحمد.
2- الوسطية في الطعام والشراب :ــ الإسلام دين
الوسطية والاعتدال في كل شيء، وهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده من عهد آدم إلى
أن يرث الله الأرض ومن عليها ونظرة الإسلام إلى الطعام والشراب أي: الغذاء الذي هو
عصب حياة الإنسان هي كذلك نظرة الوسطية والاعتدال، فلا إفراط ولا تفريط, ولا إسراف
ولا تقصير, ولا علو ولا تقصير, ويأمرنا الله سبحانه وتعالى ويرشدنا إلى ذلك في
قوله تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
الْمُسْرِفِينَ (31) الأعراف .
وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم (كُلْ وَاشْرَبْ،
وَالْبَسْ وَتَصَدَّقْ، فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا مَخِيلَةٍ ) رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَأَبُو دَاوُدَ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ هذا حديث صحيح الإسناد . وعن
الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيَّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ
صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:مَا مَلأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ ،
حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ ، فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ ، فَثُلُثُ
طَعَامٍ ، وَثُلُثُ شَرَابٍ ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ. أخرجه أحمد والتِّرمِذ0
والنَّسائي في الكبرى. فيجب أن يشتمل الطعام على جميع المواد المكونة للغذاء
المتوازن ـ ولكي تكون التغذية سليمة لا بد من تناول القدر المطلوب للجسم من الغذاء
فإذا زادت كمية الطعام عن احتياج الجسم ـ اختزن هذا الزائد على هيئة دهون تؤدي إلى
مرض السمنة ويمكن القول إن الإسراف في الطعام هو السبب الحقيقي لمرض السمنة ـ
والسمنة تؤدي إلى تصلب الشرايين وأمراض القلب وتشحم الكبد وتكون حصوات المرارة
ومرض السكر ودوالي القدمين والجلطة القلبية والروماتزم المفصلي الغضروفي بالركبتين
وارتفاع ضغط الدم والأمراض النفسية والآثار الاجتماعية التي يعاني منها البعض. إن
الإسراف في الطعام يؤدي إلى اضطرابات شديدة بالجهاز الهضمي من أوله إلى آخره وهذا
دائماً ما يؤدي إلى دوام شكوى المريض وتوتره وعصبيته وقلقه وتردده على عيادات
الأطباء المختلفة التخصصات لو علم أن هذا كله يرجع إلى الإسراف في الطعام والشراب.
فعن سفيان الثوري قال: “إن أردت أن يصح جسمُك، ويقل نومك؛ فأقل من الأكل” وروي عن
رسول الله صلي الله عليه وسلم ( أن رجلاً تجشَّأ عنده: فقال له- عليه الصلاة
والسلام كُفَّ عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعًا في الدنيا، أطولُهم جوعًا يوم
القيامة))[ رواه مسلم] . وروي عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال:(إن من السرف أن
تأكل كلَّ ما اشتهيت)[ رواه مسلم بشرح الإمام النووي]. و جاء في وصايا لقمان
لابنه: “يا بني، إذا امتلأتِ المعدة؛ نامتِ الفكرة، وخرستِ الحكمة، وقعدت الأعضاء
عن العبادة”
3- ممارسة الرياضة :ــ حث الإسلام على
ممارسة الرياضة المفيدة النافعة , وجعلها أداة لتقوية الجسم ؛لأنه يريد أن يكون
أبناؤه أقوياء في أجسامهم وفى عقولهم وأخلاقهم وأرواحهم, ولقد مدح الله تعالى
القوة في كتابه الكريم , فقد وصف الله تعالى نفسه فقال : (ذُو الْقُوَّةِ
الْمَتِينُ) الذاريات : 58. والمسلم مطالب بحفظ صحته والمجتمع مطالب بوقاية نفسه
من الأمراض بل توفير الصحة الايجابية بمفهومها الحديث، يقول الله تعالى: (ان خير
من استأجرت القوى الامين) ويقول الرسول: ” لو لم يكن لابن آدم الا اسلامه والصحة
لكفاه “. وليس ذلك بغريب فالمؤمن القوي الصحيح أقدر على اداء الرسالة التي خلق
الله الانسان من أجلها ليعيش على الأرض ويؤدي الامانة التي تقبل ان يحملها.
والاسلام لا يقبل أن تكون أمة المسلمين غثاء كغثاء السيل تعيش هامش الحياة في عجز جسماني
وفكري فعندئذ يكون بطن الأرض خيرا لها من ظاهرها. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن
الضعيف ، وفي كل خير ، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز. وإن أصابك شيء
فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل :قدر الله وما شاء فعل ، فإن لو تفتح
عمل الشيطان ” رواه مسلم. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ:كَانَ أَبُو طَلْحَةَ
يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِتُرْسٍ وَاحِدٍ ، وَكَانَ أَبُو
طَلْحَةَ حَسَنَ الرَّمْيِ ، فَكَانَ إِذَا رَمَى يُشْرِفُ النَّبِيُّ صلى الله
عليه وسلم ، فَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ نَبْلِهِ ).أخرجه أحمد والبُخَارِي.
4- الجسم أمانه فأعطه حقه من الراحة :ـ أكد الإسلام
على حق البدن , فالبدن أمانة عند الإنسان، من واجبه أن يحافظ عليه ويلبي احتياجاته
من الغذاء الكافي والنوم الكافي , والراحة والملبس اللائق النظيف والمسكن اللائق
والأثاث المريح , والمنكح الحلال والتداوي من المرض , والتمتع بما أحل الله من
الطيبات في حدود العرف الاجتماعي الذي يكون سائرا وفق شريعة الله تبارك وتعالى.
قال سبحانه : (وَابْتَغِ
فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص: 77). من
هنا فقد حثنا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على العناية والاهتمام بحق البدن .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص وقد أرهق نفسَه
بالعِبادة صيامًا وقيامًا: صُمْ وأفْطِرْ وقُمْ ونَمْ، فإنّ لبدنِك عليك حَقًّا
وإنّ لعينِك عليك حقًّا (رواه البخاري ومسلم.) وقال صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي
لمسلم أن يذل نفسه. قيل: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء ما لا يطيق ) رواه
أحمد والترمذي. وراحة الجسم الطبيعة , وحقه الفطري في النوم يكون بالليل , فبعض
الناس قد حولوا نهارهم إلى ليل وليلهم إلى نهار ,وهذا يؤثر على الصحة العامة للجسم
ولقد قال الله في كتابه الكريم (وَالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا
فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
(67) ( يونس ), وقال تعالي: (وَهُوَ الَّذِي
جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ
نُشُورًا (47)) (الفرقان) , وقال تعالي (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ
لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى
النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) ( غافر) , وقال أيضا :
وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10)
وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)
)النبأ.
5- حماية البيئة من التلوث:ـ
لقد حرص الإسلام الحنيف على نظافة البيئة التي
ستنعكس حتماً على صحة الفرد والمجتمع والتي تتمثل في: نظافة المساكن والأفنية
ونظافة الطرقات وأماكن التجمع , عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه
وسلم ، قَالَ:عُرِضَتْ عَلَىَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي ، حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا ،
فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا ، الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ ،
وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا ، النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ
لاَ تُدْفَنُ. أخرجه أحمد والبُخاري في الأدب المفرد0 ومسلم . وعنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
يَقُولُ:غَطُّوا الإِنَاءَ ، وَأَوْكِئُوا السِّقَاءَ ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ
لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ ، لاَ يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَمْ يُغَطَّ ، وَلاَ
سِقَاءٍ لَمْ يُوكَ ، إِلاَّ وَقَعَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ . أخرجه أحمد
ومسلم . وحفظ الهواء من التلوث , فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:(نهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه) رواه أبو داود.
وحفظ الماء من التلوث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول:(لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) متفق عليه.
عن ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
يَقُولُ:اتَّقُوا الْمَلاَعِنَ الثَّلاَثَ قِيلَ مَا الْمَلاَعِنُ يَا رَسُولَ
اللَّهِ قَالَ أَنْ يَقْعُدَ أَحَدُكُمْ فِى ظِلٍّ يُسْتَظَلُّ فِيهِ أَوْ فِى
طَرِيقٍ أَوْ في نَقْعِ مَاءٍ. أخرجه أحمد أبوداود وابن ماجة.
6- تحريم الأشربة والأطعمة الضارة.
ولتحقيق مبدأ الوقاية قبل العلاج فقد حرم الإسلام
بعض الشربة وبعض الأطعمة , قال تعالى:(وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ
الْخَبَآئِثَ ).(الأعراف157). فحرم كل مسكر ومفتر كالخمر والمخدرات
, فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا
الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ
الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ( المائدة ). وقال الرسول –صلى الله عليه وسلم : اتقوا الخمر
فإنها أم الخبائث . (الألباني في السلسلة الصحيحة ) كما حرم الإسلام بعض الأطعمة
المضرة , والتي تنقل العدوى ,فحرم أكل لحوم الحيوانات الميتة والدم وأكل لحم
الخنزير، والسباع والطيور الجارحة، وأكل الحيوانات والطيور التي تتغذى على
القذورات، واقتناء الكلاب والتعامل معها إلا لضرورة، وقد أثبت العلم أن هذه
الحيوانات ولحومها تشكل بؤراً لتجمعات هائلة وخطيرة من الكائنات الدقيقة الفاتكة
بالإنسان، فماذا قال العلم الحديث فيها ؟ . قال تعالى حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ
اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ
وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى
النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ
الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ
أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ
تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ
عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) (المائدة ). وقال : قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ
إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ
دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ
لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ
غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ
وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا
حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ
جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) ( الأنعام ). وقد
أجمع العلماء على تحريم جميع أجزاء الخنزير، وذكر الآية للحم الخنزير هو من باب
المجاز اللغوي ، إذ أطلق الله عز وجل الجزء ( وهو اللحم) وأراد الكل ( وهو جميع
الخنزير) ، لأن اللحم هو الجزء الأهم والمأكول من الخنزير ، وقد أثبت العلم الحديث
الحقائق التالية المتعلقة بلحم الخنزير. حيث يقول ربنا سبحانه عنه: (فإنه رجس)
والرجس الشيء القذر، والأقذار والنجاسات هي السبب الأكبر في إصابة الإنسان
بالأمراض المختلفة لما فيها من جراثيم وطفيليات ممرضة. ومن اللحوم المحرمة أيضا
والتي تنقل العدوى : أكل لحوم الجلاّلة وشرب ألبانها: قلقد نهى النبي صلى الله
عليه وسلم عن أكل لحم الجلالة وشرب ألبانها وأكل الحمر الأهلية , عَنِ ابْنِ
عُمَرَ قَالَ:نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْلِ الْجَلاَّلَةِ
وَأَلْبَانِهَا.أَخْرَجَهُ أبو داود (ابن ماجة) والتِّرْمِذِيّ . والجلالة هي كل
دابة تأكل الأقذار وخصوصاً العذرة، التي تعتبر بيئة خصبة لنمو وتكاثر الديدان
والطفيليات والجراثيم الضارة، إذ تحتوي على عدد هائل منها، يزيد على المائة بليون
جرثومة في الجرام الواحد، لذلك فالعذرة تشكل مخزناً ومصدراً رئيسياً للخطر.
7- الوقاية خير من العلاج (العناية بالطب الوقائي):ـ
تفرد الإسلام بوضع أسس الطب الوقائي التي أثبت العلم
الحديث إعجازها، وزعم الغرب أنه مكتشفها، بينما هي متأصلة في جذور العقيدة
الإسلامية، وفي الأحاديث النبوية الشريفة التي أرست قواعد الوقاية من الأوبئة من
خلال سلوكيات فردية مردودها الإيجابي جماعي ويمس الصالح العالم. فكان الإسلام من
أول من سن ما يسمي بعزل المرضى أوالحجر الصحي: َعَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، سَمِعَ
أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:لاَ
يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ. أخرجه أحمد والبُخاري ومسلم . عَنْ عَامِرِ
بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ ،
فَلاَ تَدْخُلُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ وَأَنْتُمْ بِأَرْضٍ ، فَلاَ
تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ. أخرجه مالك الموطأ وأحمد والبُخَارِي ومسلم . عنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ
:فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ. أخرجه ابن أبي شَيْبَة . عن
أبي هريرة : لا عدوى و لا طيرة و لا هامة و لا صفر و فر من المجذوم كما تفر من
الأسد). أخرجه البخاري معلقا ( صحيح ). قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنهما لما
أراد الفرار من الطاعون بالشام: أتفر من القضاء؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر
الله ، وهذا شطر من حديث طويل أخرجه البخاري في الطاعون، وفيه: (فنادى عمر في
الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ فقال
عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. ) فتح
الباري). ثم إذا حدثت العدوى , أو قدر على الإنسان المرض , فلا بد من التداوي منه
, فقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم فعل التداوي في نفسه , والأمر به لمن
أصابه مرض من أهله.عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى
الله عليه وسلم:إِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ ، وَجَعَلَ لِكُلِّ
دَاءٍ دَوَاءً ، فَتَدَاوَوْا ، وَلاَ تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ.أخرجه أبو داود . وعن
أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما أنزل الله داءً إلا
أنزل له شفاء. صحيح البخاري في الطب وعنْ ذَكْوَانَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَار
. قَالَ :عَادَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً بِهِ جُرْحٌ . فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ادعوا لَهُ طَبِيبَ بَنِي فُلاَنٍ , قال :
فَدَعَوْهُ ، فَجَاءَ . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، وَيُغْنِي الدَّوَاءُ
شَيْئًا؛ فَقَالَ : سُبْحَانَ اللهِ ، وَهَلْ أنْزَلَ اللّهُ مِنْ دَاءٍ فِي
الأرْضِ إِلاَّ جَعَلَ لَهُ شِفَاءً.أخرجه أحمد . قال ابن حجر رحمه الله : فيه
الإشارة إلى أن الشفاء متوقف على الإصابة بإذن الله ، وذلك أن الدواء قد يحصل معه
مجاوزة الحد في الكيفية أو الكمية فلا ينجع ، بل ربما أحدث داء آخر إذا قدر الله
ذلك ، و إليه الإشارة بقوله : بإذن الله فمدار ذلك كله على تقدير الله و إرادته .
والتداوي لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش للأكل والشرب ، و كذلك
تجنب المهلكات و الدعاء بطلب العافية و دفع المضار وغير ذلك.
8- المحافظة على الصحة العقلية والنفسية :ـ
إن هناك ثمة علاقة وطيدة بين الصحة العقلية
والنفسية وبين الصحة الجسمانية , فالإجراءات التي يجب إتباعها لكي يحافظ الإنسان
على صحته، هي ليست حكراً على الأشخاص الأسوياء الذين يتمتعون بصحة جيدة، بل هي
ضرورية أيضاً لأولئك الأفراد من ذوي الخلفية المرضية تاريخياً كذلك. وهناك علاقة
بين الصحة العقلية والنفسية وبين الأمراض الجسمية : فهناك حقيقة إحصائية تقول : إن
غير قليل من الذين يترددون على المصحات والعيادات والمستشفيات لا يعانون من أمراض
جسمية واضحة، رغم أعراضها البدنية والعضوية , وهناك حقيقة أخرى تؤكد على أن بعض
الأمراض الجسدية ذات أصل انفعالي ، فبعض أسباب القرح المعدية والمعوية تعود إلى
اضطراب الحياة المزمنة. وقد اهتم الإسلام بالصحة النفسية للمسلم بأن أرشده إلى
الإيمانِ بالله، والإيمان بقضاء الله وقدره، وأنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم
يكن، وأن رزق العبدِ مقدر كائن معروف لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها وأجلها،
فاتقوا الله وأجملُ في الطلب. أخي المسلم :ـ فإيمانك بقضاء الله وقدره يقتضي منك
السير بما ينفعك والحرص على ما ينفعك (هُوَ الَّذِي
جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ
رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)، وعندما تفقد الآمل في أشياء ترجوها، وعندما لا تنجح في أمور
تتمناها ، فلا تيأس ولا تقنط وواصل الجد بالجد، وارضى بما قسم الله، واعلم أن لله
حكمةً فيما قضى وقدر لكن اليأس والقنوط ممنوع، كنُ عالي الهمة أبذل السبب والجهد
وتحرى الأمور النافعة، وإذا فشلت فلا تيأس فربما فشل اليوم تُحققه مطالبك في يومٍ
آخر، ولله الحكمة فيما يقضي ويُقدر، إيَّاك أن تكون قلقاً على مستقبلك ورزقك ،
فالكُلُ بيد الله، أمضي في طريقك وشق الطريق مع الاتزان في الأمور واستخارة الله
قبل كل شيء، والاستشارة النافعة، والطمأنينة والأناة في الأمور، والله على كل شيء
قدير (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62))العنكبوت. لذا
كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التفاؤل؛ عَنْ قَتَادَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ
أَنَسًا قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لاَ عَدْوَى ،
وَلاَ طِيَرَةَ ، قَالَ : وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ . فَقُلْتُ : مَا الْفَأْلُ ؟
قَالَ : الْكَلِمَةُ الطَيِّبَةُ. أخرجه أحمد والبُخَارِي ، ومسلم . ويحرص على بث
روح التفاؤل والأمل فيمن حوله , عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ ، قَالَ:شَكَوْنَا
إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَهُْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ ،
فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ ، فَقُلْنَا : أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا ، أَلاَ تَدْعُو
لَنَا ، فَقَالَ : قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ ، فَيُحْفَرُ
لَهُ فِي الأَرْضِ ، فَيُجْعَلُ فِيهَا ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ ، فَيُوضَعُ
عَلَى رَأْسِهِ ، فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ ، وَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ ،
مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَاللهِ ،
لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى
حَضْرَمَوْتَ ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللهَ ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ،
وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ. أخرجه أحمد والبُخَارِي، وأبو داود ، والنَّسائي .
لأن التفاؤل تنشرح له النفوس وتسر له القلوب، فهو من أسباب سعادة الإنسان وزوال
الهم عنه، ولذلك فإن التفاؤل من أهم أسباب الصحة النفسية والعقلية والبدنية. قال
تعالى : وَعَسَى أَنْ
تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ
شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) ( البقرة) .
العنصر الثالث : الصحة
نعمة تحتاج إلي شكر الله عز وجل :ـ
الصحة نعمة من الله يهبها من يشاء من عباده و ما
على الانسان إلا المحافظة عليها بالإمتناع عن كل ما يؤدي إلى إصابتها بالأمراض أو
الضعف و ما دامت الصحة هبة من الله فلا بد من شكر الواهب بعبادته و طاعته لأن
الشكر من أسباب دوام نعمه . وقد بين رسول الله صلي الله عليه وسلم، أن صحة البدن
وعافيته من أكبر نعم الله على الإنسان في الدنيا، فقد روي الترمذي من حديث أبي
هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: ” أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة
من النعيم أن يقال له. ألم نصح لك جسمك ونروك من الماء البارد) . وقد قال السلف
الصالح في قوله تعالى: (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) أي عن الصحة. كما روى الإمام
أحمد في مسنده أن النبي صلي الله عليه وسلم قال للعباس:، يا عباس يا عم رسول الله
سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة). ومنه عن أبي بكر الصديق قال سمعت رسول الله
صلي الله عليه وسلم يقول ” سلوا الله اليقين والمعافاة فما أوتي أحد بعد اليقين
خيرا من العافية ” رواه النسائي .
وفي الترمذي (ما سئل الله شيئا أحب إليه من العافية
“. فجمع بين عافيتي الدين والدنيا، ولا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين
والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة ، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في
قلبه وبدنه.”.
فعلينا أن نقدر نعم الله تعالي علينا ، وإذا أراد
المرء أن يعرف قيمة تلك النعمة العظيمة فليذهب إلى المستشفيات، ولينظر إلى
الراقدين على الأسرة، والمصابين بأنواع من الأمراض الجسدية مثل مرض القلب والشلل،
وفقدان بعض الأعضاء، وهم يتمنون أن يكونوا في كامل صحتهم وعافيتهم، ولذا حثنا
النبي الكريم عليه الصلاة والسلام على استغلال تلك النعمة في طاعة الله ورسوله
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ (بادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ
تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا
مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجَّالَ؛
فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ؛ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) أخرجه الترمذي
في سننه. إذا أراد المسلم أن يحفظ الله له هذه النعمة فعليه أن يحفظ أوامر الله
تعالي ويؤدي حقوق الله عز وجل ويوظف هذه النعمة في طاعة الله تعالي ،كما قال صلي
الله عليه وسلم (احفظ الله يحفظك )من حديث ابن عباس رواه الترمذي . قال ابن رجب
:مَنْ حفظ الله في صباه وقوته : حفظه الله في حال كبَره وضعف قوته ، ومتَّعه بسمعه
وبصره وحوله وقوته وعقله ، وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته
وعقله ، فوثب يوماً وثبةً شديدةً فعوتب في ذلك ، فقال : هذه جوارح حفظناها عن
المعاصي في الصغَر فحفظها الله علينا في الكبَر ، وعكس هذا : أن بعض السلف رأى
شيخاً يسأل الناس فقال : إن هذا ضعيف ضيَّع الله في صغره فضيَّعه الله في كبَره .
وعلينا بالدعاء وسؤال الله العافية فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:الدُّعَاءُ لاَ يُرَدُّ بَيْنَ الأَذَانِ
وَالإِقَامَةِ.قَالَ : فَمَاذَا نَقُولُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : سَلُوا
اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.أخرجه أحمد . ومما يحفظ لنا نعمة
الصحة أن نشكر الله عليها، ونثني علي الله بما هو أهله يقول سبحانه وتعالى ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: 7]،
وجاء في حديث أنس – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم (إن
الله ليَرضى عن العبد أن يأكل الأَكلة، فيَحمده عليها، أو يشرب الشَّربة، فيحمده
عليها) رواه مسلم. وكان من دعاء رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم (اللهم إني
أعوذ بك من زوالِ نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتِك، وجميع سخطك)( رواه مسلم).
وقانا الله وإياكم شر الآفات والأمراض, ورزقنا
جميعا الصحة والعافية, ووقانا شر مصارع السوء. ربنا أوزعنا أن نشكرَ نعمتَك التي
أنعمتَ علينا وعلى والدينا، وأن نعمل صالحًا ترضاه، وأصلح لنا في ذرياتِنا، وتب
علينا، اللهم عافنا في أبداننا، وعافنا في أسماعِنا، وفي أبصارنا، لا إله إلا أنت،
اللهم ما أصبح أو أمسى بنا من نعمةٍ فمنك وحدك لا شريكَ لك؛ فلك الحمد ولك الشكر،
اللهمَّ إنا نصبحُ ونمسي في نعمةٍ وعافية وستر دائمٍِ فأتم نعمتَك علينا وعافيتك
وسترَك في الدنيا والآخرة.اللهم آمين وصل اللهم وسلم علي سيدنا ومولانا محمد وعلي
آله وصحبه وسلم .
انتهت بفضــــــــل الله تعالي وتوفيقه
1ـ نظرة الإسلام إلي الصحة .
2ـ منهج الإسلام في المحافظة علي الصحة .
3ـ الصحة نعمة تحتاج إلي شكر الله عز وجل .
العنصر الأول : نظرة الإسلام إلي الصحة :ـ
الصحة في نظر الإسلام ضرورة إنسانية، وحاجة أساسية وليست ترفا، أو أمرا كماليا، ولحياة الإنسان حرمتها، ولا يجوز التفريط بها، أو إهدارها، إلا في المواطن التي حددتها الشريعة، قال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)) (المائدة). كما يستدل من قول الرسول عليه الصلاة والسلام ” كان فيمن قبلكم رجل به جرح، فجزع فأخذ سكينا، فحز بها يده، مما رقأ الدم حتى مات، فقال الله تعالى: (بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة) . (رواه البخاري ) ومن يتأمل هدي رسول الله صلي الله عليه وسلم ، يجده أفضل هدي يحفظ الصحة فإن حفظ الصحة موقوف على تدبير المشرب والملبس والمسكن والهواء والنوم واليقظة والحركة والسكون، فإذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن وظروفه ، (السن- محل السكن- السعادة) ، كان ذلك أقرب إلى دوام الصحة والعافية وحفظها وحمايتها، فقد روى الإمام أحمد في مسنده، من حديث ابن عباس قال، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ” نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ “. (رواه البخاري) وأمر صلى الله عليه وسلم المسلم أن يغتنم هذه النعمة قبل فوات وقتها، وأن يستغلها فيما يُصلح دينه ودنياه فيقول صلى الله عليه وسلم: “اغتنم خمساً قبل خمس، اغتنم شبابكَ قبل هرمكِ، وصحتكَ قبل سقمكٍ، وغناكَ قبل فقركِ، وفراغك قبل شُغلك، وحياتك قبل موتك”. (أخرجه الحاكم في المستدرك وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) كما روى ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن محصن الأنصاري قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ( من أصبح معافى ، في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها “.. البُخَارِي ، في الأدب المفرد وابن ماجة والتِّرمِذي والأحاديث، الكثيرة في شأن الصحة والعافية لهي أكبر دليل على اهتمام الإسلام ورسوله الكريم بحفظ الصحة والعناية بها، ولهذه العناية مظاهر وشواهد وآثار.
العنصر الثاني : منهج الإسلام في المحافظة على الصحة العامـــــــــــة :ـ
إن الإسلام الحنيف ينظر للإنسان علي أنه ذلك المخلوق المكرم، فاعتنى به، وشرع له من الأحكامِ ما يحفظ حياته، وكرامته، ويقيه مما يؤذيه ويؤذي صحته، وقد أهتم الإسلامُ بصحة الإنسان أيِّما اهتمام، تُلكم النعمة العظيمة التي وهبها الله للإنسان، فاعتنى بها، وذَّكر الإنسان بـأهميتها وعظيم شأنها ولقد تنوعت مظاهر الاهتمام بصحة الإنسان في الإسلام، فلم تقتصر الصحة على الجسد وحده بل تعدت إلى صحة العقلِ، والصحة النفسية، فأمَّا صحة الأبدان ومن أساليب الإسلام وتشريعاته ومبادئه التي جاء بها للمحافظة على صحة الإنسان:ـ
1-الحث على النظافة والطهارة . اعتنى الإسلام بالنظافة عناية فائقة، واهتم بها اهتماما بالغا، وأولاها رعاية خاصة، وذلك لما للنظافة من أثر عظيم على صحة الأفراد والمجتمعات، وسلامة الأبدان ونضارتها، فهي عنوان المؤمنين، وسمة من سمات المسلمين , قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) سورة البقرة . وعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم (الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ). أخرجه أحمد والدارِمِي .
فقد حث الإسلام على الاعتناء بنظافة البدن بصفة دائمة , فأوجب الاغتسال عند حدوث الجنابة , وبعد انقطاع دم الحيض والنفاس للمرأة , كما سن الاغتسال أيام الجمع والأعياد , وعند لبس الإحرام ودخول مكة والطواف . عنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ:مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَأَحْسَنَ غُسْلَهُ ، وَتَطَهَّرَ فَأَحْسَنَ طُهُورَهُ ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ ، وَمَسَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ ، وَلَمْ يَلْغُ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى. أخرجه أحمد . كما أمرنا الله تعالى بأخذ الزينة والاعتناء بطهاة الثوب , والتطيب وبخاصة في أماكن العبادة , قال تعالى : يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) سورة الأعراف. هذا عن طهارة البدن وأما عن طهارة الثوب فقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) سورة المدثر. عن أبي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ رَسُولَ الله , صلى الله عليه وسلم , يَقُولُ: إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ , فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ , وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ , حتى تكون كأنكم شامة في الناس , فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلاَ التَّفَحُّشَ. أخرجه أحمد وأبو داود. كما أمرنا بالمحافظة على طهارة المكان , فعَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِى حَسَّانَ , قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ , نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ , كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ , جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ , فَنَظِّفُواأَفْنِيَتَكُمْ وَلاَ تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ. أخرجه الترمذي – قال أبو عِيسَى التِّرْمِذِي : هذا حديث غريب. ومن المحافظة على المكان إماطة الأذى عنه , عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ , قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا فَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَأَرْفَعُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) .أخرجه أحمد.
2- الوسطية في الطعام والشراب :ــ الإسلام دين الوسطية والاعتدال في كل شيء، وهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده من عهد آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ونظرة الإسلام إلى الطعام والشراب أي: الغذاء الذي هو عصب حياة الإنسان هي كذلك نظرة الوسطية والاعتدال، فلا إفراط ولا تفريط, ولا إسراف ولا تقصير, ولا علو ولا تقصير, ويأمرنا الله سبحانه وتعالى ويرشدنا إلى ذلك في قوله تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) الأعراف .
وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم (كُلْ وَاشْرَبْ، وَالْبَسْ وَتَصَدَّقْ، فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا مَخِيلَةٍ ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ هذا حديث صحيح الإسناد . وعن الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيَّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:مَا مَلأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ ، حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ ، فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ ، فَثُلُثُ طَعَامٍ ، وَثُلُثُ شَرَابٍ ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ. أخرجه أحمد والتِّرمِذ0 والنَّسائي في الكبرى. فيجب أن يشتمل الطعام على جميع المواد المكونة للغذاء المتوازن ـ ولكي تكون التغذية سليمة لا بد من تناول القدر المطلوب للجسم من الغذاء فإذا زادت كمية الطعام عن احتياج الجسم ـ اختزن هذا الزائد على هيئة دهون تؤدي إلى مرض السمنة ويمكن القول إن الإسراف في الطعام هو السبب الحقيقي لمرض السمنة ـ والسمنة تؤدي إلى تصلب الشرايين وأمراض القلب وتشحم الكبد وتكون حصوات المرارة ومرض السكر ودوالي القدمين والجلطة القلبية والروماتزم المفصلي الغضروفي بالركبتين وارتفاع ضغط الدم والأمراض النفسية والآثار الاجتماعية التي يعاني منها البعض. إن الإسراف في الطعام يؤدي إلى اضطرابات شديدة بالجهاز الهضمي من أوله إلى آخره وهذا دائماً ما يؤدي إلى دوام شكوى المريض وتوتره وعصبيته وقلقه وتردده على عيادات الأطباء المختلفة التخصصات لو علم أن هذا كله يرجع إلى الإسراف في الطعام والشراب. فعن سفيان الثوري قال: “إن أردت أن يصح جسمُك، ويقل نومك؛ فأقل من الأكل” وروي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ( أن رجلاً تجشَّأ عنده: فقال له- عليه الصلاة والسلام كُفَّ عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعًا في الدنيا، أطولُهم جوعًا يوم القيامة))[ رواه مسلم] . وروي عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال:(إن من السرف أن تأكل كلَّ ما اشتهيت)[ رواه مسلم بشرح الإمام النووي]. و جاء في وصايا لقمان لابنه: “يا بني، إذا امتلأتِ المعدة؛ نامتِ الفكرة، وخرستِ الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة”
3- ممارسة الرياضة :ــ حث الإسلام على ممارسة الرياضة المفيدة النافعة , وجعلها أداة لتقوية الجسم ؛لأنه يريد أن يكون أبناؤه أقوياء في أجسامهم وفى عقولهم وأخلاقهم وأرواحهم, ولقد مدح الله تعالى القوة في كتابه الكريم , فقد وصف الله تعالى نفسه فقال : (ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) الذاريات : 58. والمسلم مطالب بحفظ صحته والمجتمع مطالب بوقاية نفسه من الأمراض بل توفير الصحة الايجابية بمفهومها الحديث، يقول الله تعالى: (ان خير من استأجرت القوى الامين) ويقول الرسول: ” لو لم يكن لابن آدم الا اسلامه والصحة لكفاه “. وليس ذلك بغريب فالمؤمن القوي الصحيح أقدر على اداء الرسالة التي خلق الله الانسان من أجلها ليعيش على الأرض ويؤدي الامانة التي تقبل ان يحملها. والاسلام لا يقبل أن تكون أمة المسلمين غثاء كغثاء السيل تعيش هامش الحياة في عجز جسماني وفكري فعندئذ يكون بطن الأرض خيرا لها من ظاهرها. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير ، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل :قدر الله وما شاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان ” رواه مسلم. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ:كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِتُرْسٍ وَاحِدٍ ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ حَسَنَ الرَّمْيِ ، فَكَانَ إِذَا رَمَى يُشْرِفُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ نَبْلِهِ ).أخرجه أحمد والبُخَارِي.
4- الجسم أمانه فأعطه حقه من الراحة :ـ أكد الإسلام على حق البدن , فالبدن أمانة عند الإنسان، من واجبه أن يحافظ عليه ويلبي احتياجاته من الغذاء الكافي والنوم الكافي , والراحة والملبس اللائق النظيف والمسكن اللائق والأثاث المريح , والمنكح الحلال والتداوي من المرض , والتمتع بما أحل الله من الطيبات في حدود العرف الاجتماعي الذي يكون سائرا وفق شريعة الله تبارك وتعالى. قال سبحانه : (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص: 77). من هنا فقد حثنا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على العناية والاهتمام بحق البدن . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص وقد أرهق نفسَه بالعِبادة صيامًا وقيامًا: صُمْ وأفْطِرْ وقُمْ ونَمْ، فإنّ لبدنِك عليك حَقًّا وإنّ لعينِك عليك حقًّا (رواه البخاري ومسلم.) وقال صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه. قيل: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء ما لا يطيق ) رواه أحمد والترمذي. وراحة الجسم الطبيعة , وحقه الفطري في النوم يكون بالليل , فبعض الناس قد حولوا نهارهم إلى ليل وليلهم إلى نهار ,وهذا يؤثر على الصحة العامة للجسم ولقد قال الله في كتابه الكريم (وَالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) ( يونس ), وقال تعالي: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47)) (الفرقان) , وقال تعالي (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) ( غافر) , وقال أيضا : وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) )النبأ.
5- حماية البيئة من التلوث:ـ
لقد حرص الإسلام الحنيف على نظافة البيئة التي ستنعكس حتماً على صحة الفرد والمجتمع والتي تتمثل في: نظافة المساكن والأفنية ونظافة الطرقات وأماكن التجمع , عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ:عُرِضَتْ عَلَىَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي ، حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا ، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا ، الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا ، النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لاَ تُدْفَنُ. أخرجه أحمد والبُخاري في الأدب المفرد0 ومسلم . وعنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:غَطُّوا الإِنَاءَ ، وَأَوْكِئُوا السِّقَاءَ ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ ، لاَ يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَمْ يُغَطَّ ، وَلاَ سِقَاءٍ لَمْ يُوكَ ، إِلاَّ وَقَعَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ . أخرجه أحمد ومسلم . وحفظ الهواء من التلوث , فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:(نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه) رواه أبو داود. وحفظ الماء من التلوث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) متفق عليه. عن ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:اتَّقُوا الْمَلاَعِنَ الثَّلاَثَ قِيلَ مَا الْمَلاَعِنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنْ يَقْعُدَ أَحَدُكُمْ فِى ظِلٍّ يُسْتَظَلُّ فِيهِ أَوْ فِى طَرِيقٍ أَوْ في نَقْعِ مَاءٍ. أخرجه أحمد أبوداود وابن ماجة.
6- تحريم الأشربة والأطعمة الضارة.
ولتحقيق مبدأ الوقاية قبل العلاج فقد حرم الإسلام بعض الشربة وبعض الأطعمة , قال تعالى:(وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ ).(الأعراف157). فحرم كل مسكر ومفتر كالخمر والمخدرات , فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ( المائدة ). وقال الرسول –صلى الله عليه وسلم : اتقوا الخمر فإنها أم الخبائث . (الألباني في السلسلة الصحيحة ) كما حرم الإسلام بعض الأطعمة المضرة , والتي تنقل العدوى ,فحرم أكل لحوم الحيوانات الميتة والدم وأكل لحم الخنزير، والسباع والطيور الجارحة، وأكل الحيوانات والطيور التي تتغذى على القذورات، واقتناء الكلاب والتعامل معها إلا لضرورة، وقد أثبت العلم أن هذه الحيوانات ولحومها تشكل بؤراً لتجمعات هائلة وخطيرة من الكائنات الدقيقة الفاتكة بالإنسان، فماذا قال العلم الحديث فيها ؟ . قال تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) (المائدة ). وقال : قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) ( الأنعام ). وقد أجمع العلماء على تحريم جميع أجزاء الخنزير، وذكر الآية للحم الخنزير هو من باب المجاز اللغوي ، إذ أطلق الله عز وجل الجزء ( وهو اللحم) وأراد الكل ( وهو جميع الخنزير) ، لأن اللحم هو الجزء الأهم والمأكول من الخنزير ، وقد أثبت العلم الحديث الحقائق التالية المتعلقة بلحم الخنزير. حيث يقول ربنا سبحانه عنه: (فإنه رجس) والرجس الشيء القذر، والأقذار والنجاسات هي السبب الأكبر في إصابة الإنسان بالأمراض المختلفة لما فيها من جراثيم وطفيليات ممرضة. ومن اللحوم المحرمة أيضا والتي تنقل العدوى : أكل لحوم الجلاّلة وشرب ألبانها: قلقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل لحم الجلالة وشرب ألبانها وأكل الحمر الأهلية , عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْلِ الْجَلاَّلَةِ وَأَلْبَانِهَا.أَخْرَجَهُ أبو داود (ابن ماجة) والتِّرْمِذِيّ . والجلالة هي كل دابة تأكل الأقذار وخصوصاً العذرة، التي تعتبر بيئة خصبة لنمو وتكاثر الديدان والطفيليات والجراثيم الضارة، إذ تحتوي على عدد هائل منها، يزيد على المائة بليون جرثومة في الجرام الواحد، لذلك فالعذرة تشكل مخزناً ومصدراً رئيسياً للخطر.
7- الوقاية خير من العلاج (العناية بالطب الوقائي):ـ
تفرد الإسلام بوضع أسس الطب الوقائي التي أثبت العلم الحديث إعجازها، وزعم الغرب أنه مكتشفها، بينما هي متأصلة في جذور العقيدة الإسلامية، وفي الأحاديث النبوية الشريفة التي أرست قواعد الوقاية من الأوبئة من خلال سلوكيات فردية مردودها الإيجابي جماعي ويمس الصالح العالم. فكان الإسلام من أول من سن ما يسمي بعزل المرضى أوالحجر الصحي: َعَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ. أخرجه أحمد والبُخاري ومسلم . عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ ، فَلاَ تَدْخُلُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ وَأَنْتُمْ بِأَرْضٍ ، فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ. أخرجه مالك الموطأ وأحمد والبُخَارِي ومسلم . عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ. أخرجه ابن أبي شَيْبَة . عن أبي هريرة : لا عدوى و لا طيرة و لا هامة و لا صفر و فر من المجذوم كما تفر من الأسد). أخرجه البخاري معلقا ( صحيح ). قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنهما لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: أتفر من القضاء؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله ، وهذا شطر من حديث طويل أخرجه البخاري في الطاعون، وفيه: (فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. ) فتح الباري). ثم إذا حدثت العدوى , أو قدر على الإنسان المرض , فلا بد من التداوي منه , فقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم فعل التداوي في نفسه , والأمر به لمن أصابه مرض من أهله.عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:إِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً ، فَتَدَاوَوْا ، وَلاَ تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ.أخرجه أبو داود . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء. صحيح البخاري في الطب وعنْ ذَكْوَانَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصَار . قَالَ :عَادَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً بِهِ جُرْحٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ادعوا لَهُ طَبِيبَ بَنِي فُلاَنٍ , قال : فَدَعَوْهُ ، فَجَاءَ . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، وَيُغْنِي الدَّوَاءُ شَيْئًا؛ فَقَالَ : سُبْحَانَ اللهِ ، وَهَلْ أنْزَلَ اللّهُ مِنْ دَاءٍ فِي الأرْضِ إِلاَّ جَعَلَ لَهُ شِفَاءً.أخرجه أحمد . قال ابن حجر رحمه الله : فيه الإشارة إلى أن الشفاء متوقف على الإصابة بإذن الله ، وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية أو الكمية فلا ينجع ، بل ربما أحدث داء آخر إذا قدر الله ذلك ، و إليه الإشارة بقوله : بإذن الله فمدار ذلك كله على تقدير الله و إرادته . والتداوي لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش للأكل والشرب ، و كذلك تجنب المهلكات و الدعاء بطلب العافية و دفع المضار وغير ذلك.
8- المحافظة على الصحة العقلية والنفسية :ـ
إن هناك ثمة علاقة وطيدة بين الصحة العقلية والنفسية وبين الصحة الجسمانية , فالإجراءات التي يجب إتباعها لكي يحافظ الإنسان على صحته، هي ليست حكراً على الأشخاص الأسوياء الذين يتمتعون بصحة جيدة، بل هي ضرورية أيضاً لأولئك الأفراد من ذوي الخلفية المرضية تاريخياً كذلك. وهناك علاقة بين الصحة العقلية والنفسية وبين الأمراض الجسمية : فهناك حقيقة إحصائية تقول : إن غير قليل من الذين يترددون على المصحات والعيادات والمستشفيات لا يعانون من أمراض جسمية واضحة، رغم أعراضها البدنية والعضوية , وهناك حقيقة أخرى تؤكد على أن بعض الأمراض الجسدية ذات أصل انفعالي ، فبعض أسباب القرح المعدية والمعوية تعود إلى اضطراب الحياة المزمنة. وقد اهتم الإسلام بالصحة النفسية للمسلم بأن أرشده إلى الإيمانِ بالله، والإيمان بقضاء الله وقدره، وأنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن رزق العبدِ مقدر كائن معروف لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملُ في الطلب. أخي المسلم :ـ فإيمانك بقضاء الله وقدره يقتضي منك السير بما ينفعك والحرص على ما ينفعك (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)، وعندما تفقد الآمل في أشياء ترجوها، وعندما لا تنجح في أمور تتمناها ، فلا تيأس ولا تقنط وواصل الجد بالجد، وارضى بما قسم الله، واعلم أن لله حكمةً فيما قضى وقدر لكن اليأس والقنوط ممنوع، كنُ عالي الهمة أبذل السبب والجهد وتحرى الأمور النافعة، وإذا فشلت فلا تيأس فربما فشل اليوم تُحققه مطالبك في يومٍ آخر، ولله الحكمة فيما يقضي ويُقدر، إيَّاك أن تكون قلقاً على مستقبلك ورزقك ، فالكُلُ بيد الله، أمضي في طريقك وشق الطريق مع الاتزان في الأمور واستخارة الله قبل كل شيء، والاستشارة النافعة، والطمأنينة والأناة في الأمور، والله على كل شيء قدير (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62))العنكبوت. لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التفاؤل؛ عَنْ قَتَادَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لاَ عَدْوَى ، وَلاَ طِيَرَةَ ، قَالَ : وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ . فَقُلْتُ : مَا الْفَأْلُ ؟ قَالَ : الْكَلِمَةُ الطَيِّبَةُ. أخرجه أحمد والبُخَارِي ، ومسلم . ويحرص على بث روح التفاؤل والأمل فيمن حوله , عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ ، قَالَ:شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَهُْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ ، فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ ، فَقُلْنَا : أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا ، أَلاَ تَدْعُو لَنَا ، فَقَالَ : قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ ، فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ ، فَيُجْعَلُ فِيهَا ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ ، فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ ، وَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَاللهِ ، لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللهَ ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ. أخرجه أحمد والبُخَارِي، وأبو داود ، والنَّسائي . لأن التفاؤل تنشرح له النفوس وتسر له القلوب، فهو من أسباب سعادة الإنسان وزوال الهم عنه، ولذلك فإن التفاؤل من أهم أسباب الصحة النفسية والعقلية والبدنية. قال تعالى : وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) ( البقرة) .
العنصر الثالث : الصحة نعمة تحتاج إلي شكر الله عز وجل :ـ
الصحة نعمة من الله يهبها من يشاء من عباده و ما على الانسان إلا المحافظة عليها بالإمتناع عن كل ما يؤدي إلى إصابتها بالأمراض أو الضعف و ما دامت الصحة هبة من الله فلا بد من شكر الواهب بعبادته و طاعته لأن الشكر من أسباب دوام نعمه . وقد بين رسول الله صلي الله عليه وسلم، أن صحة البدن وعافيته من أكبر نعم الله على الإنسان في الدنيا، فقد روي الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: ” أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له. ألم نصح لك جسمك ونروك من الماء البارد) . وقد قال السلف الصالح في قوله تعالى: (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) أي عن الصحة. كما روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلي الله عليه وسلم قال للعباس:، يا عباس يا عم رسول الله سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة). ومنه عن أبي بكر الصديق قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول ” سلوا الله اليقين والمعافاة فما أوتي أحد بعد اليقين خيرا من العافية ” رواه النسائي .
وفي الترمذي (ما سئل الله شيئا أحب إليه من العافية “. فجمع بين عافيتي الدين والدنيا، ولا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة ، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه.”.
فعلينا أن نقدر نعم الله تعالي علينا ، وإذا أراد المرء أن يعرف قيمة تلك النعمة العظيمة فليذهب إلى المستشفيات، ولينظر إلى الراقدين على الأسرة، والمصابين بأنواع من الأمراض الجسدية مثل مرض القلب والشلل، وفقدان بعض الأعضاء، وهم يتمنون أن يكونوا في كامل صحتهم وعافيتهم، ولذا حثنا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام على استغلال تلك النعمة في طاعة الله ورسوله فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (بادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجَّالَ؛ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ؛ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) أخرجه الترمذي في سننه. إذا أراد المسلم أن يحفظ الله له هذه النعمة فعليه أن يحفظ أوامر الله تعالي ويؤدي حقوق الله عز وجل ويوظف هذه النعمة في طاعة الله تعالي ،كما قال صلي الله عليه وسلم (احفظ الله يحفظك )من حديث ابن عباس رواه الترمذي . قال ابن رجب :مَنْ حفظ الله في صباه وقوته : حفظه الله في حال كبَره وضعف قوته ، ومتَّعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله ، وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله ، فوثب يوماً وثبةً شديدةً فعوتب في ذلك ، فقال : هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغَر فحفظها الله علينا في الكبَر ، وعكس هذا : أن بعض السلف رأى شيخاً يسأل الناس فقال : إن هذا ضعيف ضيَّع الله في صغره فضيَّعه الله في كبَره . وعلينا بالدعاء وسؤال الله العافية فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:الدُّعَاءُ لاَ يُرَدُّ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ.قَالَ : فَمَاذَا نَقُولُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : سَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.أخرجه أحمد . ومما يحفظ لنا نعمة الصحة أن نشكر الله عليها، ونثني علي الله بما هو أهله يقول سبحانه وتعالى ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: 7]، وجاء في حديث أنس – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم (إن الله ليَرضى عن العبد أن يأكل الأَكلة، فيَحمده عليها، أو يشرب الشَّربة، فيحمده عليها) رواه مسلم. وكان من دعاء رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم (اللهم إني أعوذ بك من زوالِ نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتِك، وجميع سخطك)( رواه مسلم).
وقانا الله وإياكم شر الآفات والأمراض, ورزقنا جميعا الصحة والعافية, ووقانا شر مصارع السوء. ربنا أوزعنا أن نشكرَ نعمتَك التي أنعمتَ علينا وعلى والدينا، وأن نعمل صالحًا ترضاه، وأصلح لنا في ذرياتِنا، وتب علينا، اللهم عافنا في أبداننا، وعافنا في أسماعِنا، وفي أبصارنا، لا إله إلا أنت، اللهم ما أصبح أو أمسى بنا من نعمةٍ فمنك وحدك لا شريكَ لك؛ فلك الحمد ولك الشكر، اللهمَّ إنا نصبحُ ونمسي في نعمةٍ وعافية وستر دائمٍِ فأتم نعمتَك علينا وعافيتك وسترَك في الدنيا والآخرة.اللهم آمين وصل اللهم وسلم علي سيدنا ومولانا محمد وعلي آله وصحبه وسلم .
انتهت بفضــــــــل الله تعالي وتوفيقه
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)