الأحد، 18 سبتمبر 2016

أحكام المستحاضة

أحكام المستحاضة:
المستحاضة: هي التي يستمر بِها الدم في غير أيام الحيض العادية: وهي ثلاثة أقسام:
التي لها عادة معروفة: حيث تحيض ستا أو سبعا أو ما شاء الله، وأكثره خمسة عشر يوما، فهذه إذا استمر بِها الدم ، فإنّها ترجع إلى عادتِها، وتحتسب للحيض عدد أيام عادتِها، ثم تغتسل بعدها، وتصلي وتتوضأ لكل صلاة.
التي تميز دم الحيض بلونه أو ريحه: سواء كانت لها عادة معروفة أولا، فهذه أيضا تحيض، ثم إذا تغير لون الدم اغتسلت، ثم تتوضأ عند كل صلاة.
المبتدئة، التي ليس لها عادة: ولا تستطيع التمييز باللون أو الريح، فهذه تحيض ستة أيام أو سبعة أيام، على عادة غالب النساء، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة، وتصلي، أربعة وعشرين يوما أو ثلاثة وعشرين، على عادة أغلب النساء.
وإذا استطاعت المستحاضة أن تغتسل في الظهر، للظهر والعصر، وتغتسل في المغرب للمغرب والعشاء، وفي الصبح فهو أفضل. ولكن ليس بواجب، وإنما الواجب أن تغتسل مرة، ثم تتوضأ لكل صلاة؛ وهذا هو الراجح من أقوال العلماء.
الأحاديث:
أخرج البخاري ومسلم من حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " لا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي ". وأخرجه أيضا مالك في الموطأ.
وزاد البخاري: " ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ ".
ذلكِ عرق: يُرِيد أَنَّ ذَلِكَ عِلَّة حَدَثَتْ بِهَا مِنْ تَصَدُّع الْعُرُوق، فَانْفَجَرَ الدَّم، وَلَيْسَ بِدَمِ الْحَيْض الَّذِي يَقْذِفهُ الرَّحِم لِمِيقَاتٍ مَعْلُوم.
وفي رواية للبخاري: " وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي ".
وفي رواية للبخاري: " وَلَكِنْ دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي ".
وفي رواية عند أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح: " وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ، وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ ". يعني إذا توضأت فلا حرج عليها ولو سال الدم على ثيابِها، ولكن عليها أن تمنعه ما استطاعت.
قال الترمذي: وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَالتَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ: أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إِذَا جَاوَزَتْ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا اغْتَسَلَتْ وَتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلاةٍ.
وأخرج البخاري ومسلم من حديث عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم عَنْ ذَلِكَ، " فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَقَالَ: هَذَا عِرْقٌ "، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاةٍٍ.
وفي رواية مسلم: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلآنَ دَمًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي ".
وفي رواية عند النسائي وأحمد بإسناد صحيح: " إِنَّهَا لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، وَلَكِنَّهَا رَكْضَةٌ مِنَ الرَّحِمِ، فَلْتَنْظُرْ قَدْرَ قَرْئِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ لَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلاةَ، ثُمَّ تَنْظُرْ مَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ ".
والأمر هنا بالغسل لكل صلاة ليس على الوجوب، كما ستبينه الأحاديث الأخرى.
وأخرج النسائي وأبو داود من حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ امْرَأَةً مُسْتَحَاضَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قِيلَ لَهَا: " أَنَّهُ عِرْقٌ عَانِدٌ، فَأُمِرَتْ أَنْ تُؤَخِّرَ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلَ الْعَصْرَ، وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلاً وَاحِدًا، وَتُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلَ الْعِشَاءَ وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلاً وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلَ لِصَلاةِ الصُّبْحِ غُسْلاً وَاحِدًا ".
عاند: أي من الميل والجور، شُبِّه به لكثرة ما يَخْرج منه على خلاف عادَتِه. وقيل: العانِد: الذي لا يَرْقَأ.
وأخرج أحمد وأبو داود من حديث عَائِشَةَ، أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ، اسْتُحِيضَتْ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم " فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ، فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ، أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِغُسْلٍ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِغُسْلٍ، وَتَغْتَسِلَ لِلصُّبْحِ "
وأخرج النسائي وأبو داود من حديث فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ، أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي، فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ ".
يعرف:  أَيْ تَعْرِفهُ النِّسَاء بِاعْتِبَارِ لَوْنه وَثَخَانَته، كَمَا تَعْرِفهُ بِاعْتِبَارِ عَادَته. أو لَهُ عَرْف وَرَائِحَة.
وفي رواية للنسائي وأحمد وأبي داود وابن ماجه: " إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، فَانْظُرِي إِذَا أَتَاكِ قَرْؤُكِ فَلا تُصَلِّي، فَإِذَا مَرَّ قَرْؤُكِ فَتَطَهَّرِي ثُمَّ صَلِّي مَا بَيْنَ الْقَرْءِ إِلَى الْقَرْءِ ".
قال النسائي: هَذَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ حَيْضٌ. القرء: الْوَقْت الَّذِي يَعُود فِيهِ الْحَيْض أَوْ الطُّهْر، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلطُّهْرِ كَمَا قِيلَ لِلْحَيْضِ قَرْءًا. والمراد به هنا الحيض.
وأخرج النسائي وأحمد وأبو داود وابن ماجه ومالك في الموطأ من حديث أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَقَالَ: " لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ مِنَ الشَّهْرِ، قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّي ".
فلتستثفر: أي أن تجعل خرقة أو قطنة في فرجها لتمنع بِها خروج الدم.
وأخرج أحمد الترمذي وأبو داود وابن ماجه من حديث حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَسْتَفْتِيهِ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا قَدْ مَنَعَتْنِي الصِّيَامَ وَالصَّلاةَ؟ قَالَ: " أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ "، قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: " فَتَلَجَّمِي "، قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: " فَاتَّخِذِي ثَوْبًا "، قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيَّهُمَا صَنَعْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ "، فَقَالَ: " إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ، فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ ثَلاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي وَصَلِّي، فَإِنَّ ذَلِكِ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ حِينَ تَطْهُرِينَ وَتُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، فَافْعَلِي وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ، وَكَذَلِكِ فَافْعَلِي وَصُومِي إِنْ قَوِيتِ عَلَى ذَلِكَ "، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ ".
الكرسف: القطن، أي استعملي القطن فإنه يشرب الدم، تلجمي: أي شُدي على الفرج خرقة كهيئة اللجام، أثج ثجا: أي أصب الدم صبا، ركضة من الشيطان: الرَّكْضَة: ضَرْب الأَرْض بِالرِّجْلِ حَال الْعَدْو، يَعْنِي أَنَّ الشَّيْطَان قَدْ وَجَدَ بِهِ طَرِيقًا إِلَى التَّلْبِيس عَلَيْهَا فِي أَمْر دِينهَا وَطُهْرهَا وَصَلاتِهَا، كَأَنَّهُ رَكْضَةٌ نَالَتْهَا مِنْ رَكَضَاته.
قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، "يعني البخاري" فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاق فِي الْمُسْتَحَاضَةِ: إِذَا كَانَتْ تَعْرِفُ حَيْضَهَا بِإِقْبَالِ الدَّمِ وَإِدْبَارِهِ، وَإِقْبَالُهُ أَنْ يَكُونَ أَسْوَدَ، وَإِدْبَارُهُ أَنْ يَتَغَيَّرَ إِلَى الصُّفْرَةِ، فَالْحُكْمُ لَهَا عَلَى حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ، وَإِنْ كَانَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ قَبْلَ أَنْ تُسْتَحَاضَ، فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي، وَإِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ وَلَمْ تَعْرِفْ الْحَيْضَ بِإِقْبَالِ الدَّمِ وَإِدْبَارِهِ، فَالْحُكْمُ لَهَا عَلَى حَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ. 
أخرج أبو داود والحاكم من حديث أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ اسْتُحِيضَتْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَلَمْ تُصَلِّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ، لِتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ، فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ الْمَاءِ فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلا وَاحِدًا، وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ ".
المركن: الإجَّانة التي تُغْسَل فيها الثياب. قال الحاكم: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
أخرج أبو داود من حديث زَيْنَب بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ وَكَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ وَتُصَلِّي ".
أخرج النسائي من حديث زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، قالت: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ، فَقَالَ: " تَجْلِسُ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وَتُؤَخِّرُ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلُ الْعَصْرَ وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، وَتُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلُ الْعِشَاءَ وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا، وَتَغْتَسِلُ لِلْفَجْرِ ".

والأحاديث كما ترى ترجح ما ذكرناه أولا، وهو مذهب جماهير علماء المسلمين.

الجمعة، 16 سبتمبر 2016

الأمور التي يجد بها العبد حلاوة الإيمان

قال الله عز وجل: (قل هو للذين آمنوا هُدًى وشِفاءٌ)
قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " بلِّغوا عني ولو آيةً، ومن كذب علي متعمدا فليتبوَّأْ مقعدَه من النار "
الأمور التي يجد بها العبد حلاوة الإيمان
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب نورا وهدى للناس، أحمده حمدا يليق بجلاله، وأشهد أنه ربنا وفاطرنا وخالقنا ورازقنا ومدبِّر أمورنا لا إله إلا هو، وأشهد أن محمدا رسوله إلى الخلق كلهم، أرسله ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الموت بالكفر والجهل والضلال إلى الحياة بروح الإيمان والعلم والهدى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد، فإن الله قد أرشدنا إلى كل خير وهدى، وحذرنا من كل شر وضلال، وأخبر أن سعادة عبده في دنياه مرهونة باتباع الخير والتزام الهدى المستقيم، واجتناب الشر والإعراض عن سبيل الضالين. واعلم وفقك الله أن أبواب الخير مهما كثرت وتنوعت فإن رسول لله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد بُعث بجوامع الكلم، فالكلمة الواحدة من القرآن والسنة النبوية تجمع عددا كثيرا من المعاني وترشد إلى أبواب كثيرة من الخيرات.
وهذه جملة من الأبواب النافعة، وقد حاولت أن يكون الكلام على قدر المقام، حتى لا يفوت به المقصود. فما كان من توفيق في سرد هذه الأبواب فإنما هو بفضل ربي وإحسانه ومعونته، وما كان فيه من عيب أو خلل أو تقصير فإنما هو من ضعف الإنسان، قال الله تعالى: (وخُلِق الإنسانُ ضعيفا).
باب في الإيمان بالقدر وأن الأمور تجري كما أراد الله: وأن العبدَ لن يَجِدَ طعم حقيقة الإيمان وحلاوةَ الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه وما أخطأه لم يكن ليُصيبه، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " إن أول ما خلق الله القلَم، فقال له اكتب، قال: ربِّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة "، وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، ولو أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه ". وهذا هو الإيمان بالقدر، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فمهما فعله الإنسان من الأسباب التي تجلب له النفع أو تدفع عنه الضُّر، فإنما هي أسباب أُمِر بفعلها، والذي ينفع أو يضر في الحقيقة إنما هو مالك المنافع والمضار، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: " اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ "، وهو ربنا تبارك وتعالى الذي أخرجنا إلى هذا الوجود بعد أن لم نكن شيئا، ودبَّر لنا الأمورَ بعلمه وحكمته، ويسر لنا الأرزاق، فلا تموت نفس حتى تستكمل رزقها الذي قُسِمَ لها في علم الله، وهو الذي قدر لها مستقرها في الدنيا ومستودعها في الأرض بعد الموت، قال تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا، كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ). وهو سبحانه الذي قدَّر لكل مخلوق، وهداه ويسَّره لما قدَّره له، فلا يخرج شيء عن علمه وحكمته ومشيئته، وإذا أراد الله عبده لأمر هيأ له الأسباب التي تُبَلِّغُه لأمره، وهو مقامُه الذي لا يصلُح له سواه، فما من حركة أو سكون إلا وذلك جار على وَفْقِ إرادته ومشيئته، فلا يحزن العبد على ما فاته، قال تعالى: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ). فكم من أمر يستنكره العبد ويتعجب منه لجهله بالحكمة التي جعلها الله فيه، فكثير من الناس خفِيَت عليهم هذه الحقائق فصاروا حَيارى، ولا عجب من أمر الله، وقد ذكر الله تعالى قصة سارة زوج إبراهيم لما بشرها الملائكة بالمولود وقد بلغت من الكِبَرِ ما بلغت: (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا، إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ، رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ)، فلا عجب إذًا، وهو سبحانه الذي أحكم الأمور كلها: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ، تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وقال تعالى: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ، وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا، وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)، وهذه الآية صريحة كل الصراحة في أن الله أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا، حتى ورق الشجر إذا أسقطته الرياح فبعلمه وحكمته وتقديره. فلا يكون إلا ما كوَّنه الله، فهو سبحانه العليم الحكيم القادر المقتدر، ولا يصلح للعبد إلا مقامه الذي أقامه الله فيه بحكمته، (وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ) فمن استقرت في قلبه هذه العقيدة وجد بها حلاوة الإيمان؛ ومن لم يؤمن بالقدر خيره وشره فليس بمؤمن، فإن نازعَنَا في حقيقة القدر خاصمناه بالعلم وقلنا له: هل يجوز أن يقع في الدنيا شيء لم يكن في علم الله من قبل؟ فإن قال لا يجوز فقد وافقنا على الحق، وإن قال يجوز أن يقع شيء لم يكن في علم الله، فقد اتهم اللهَ بالجهل، فتعالى الله عمَّا يقول الجاهلون والظالمون علُوًّا كبيرا.   
إن كثيرا من الآمال والمتمَنَّيات التي تتراءى للعبد في هذه الدنيا، منها ما يتحقق عن قريب، ومنها ما يتحقق بعد حين، ومنها ما لا يتحقق أبدا، وذلك جارٍ على علم الله وحكمته ومشيئته، فلا ينبغي للعبد أن يشغل نفسه بكل ما تتمناه نفسه، بل ينبغي أن يفوِّض الأمر إلى ربه ومولاه فيما أشكل عليه من الأمور، ولا يستعجل الأمورَ قبل أوانها، وعليه أن يصبر على ما فاته مما يتمناه، فإن الله جاعل له في صبره خيرا كثيرا، ويرضى بما قسم الله له، ولا يشغل نفسه بما ليس عنده، لكن ينبغي أن يجتهد مع ذلك في الدعاء ويسأل ربَّهُ من فضله ويدعوه في حاجاته، فخزائن رحمته واسعة، وفضله قريب من المحسنين، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العُسر يسرا ". فما من شِدَّة تمضي إلا وبعدها فرَجٌ قريب، والحمد لله، فمن وجد من نفسه حزنا أو كان في ضيق فليستبشر بفرج قريب وتيسيرٍ من ربه الرحيم الكريم، فإن الدنيا لا تدوم على حال: قال تعالى (كلَّ يوم هو في شأن):
عسَى فرجٌ يأتي به اللهُ، إنَّهُ   *   له كلَّ يوم في خَليقتهِ أمْــرُ.
وإذا أصابت العبد شدة فليضرع إلى ربه فإنه قريب منه (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ، فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ). فالله قريب منا، وما استجْلَبْنا رحمتَه بشيء أفضلَ من دُعائه والاستمتاع بحلاوة ذِكْره ومُناجاتِه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وحتى يحب المرء لا يحبه إلا لله ". وقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ)، فحب المؤمن لله ورسوله هو الذي يجعله يجتهد في اتباع الطريق المستقيم، ويصبر على دينه كالقابض على الجمر في زمن الفتن، على خلاف ما يزعمه الكثيرون ممن آمنوا بألسنتهم ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، فلو كانوا صادقين في دعوى الإيمان لأحبوا الطريق المستقيم والتزموه، ولكن إعراضهم عن كثير من شرائع الدين دليل على كذبهم في دعواهم: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي) فمن أحب الله حقا التزم باتباع الطريق الذي جاء به الرسول، فالله تعالى جعل محبته ومحبة رسوله هي السبيلَ الوحيدَ للوصول إليه، والله سبحانه جعل المحبة هي السبيلَ الوحيد للظفر بالمحبوب، أسأل الله أن يملأ قلوبنا بمحبته آمين.
أسباب الفلاح والنجاح في الدنيا: وهذا ما يسعى إليه كل واحد كافرا كان أو مؤمنا، وهذه الأسباب للمؤمن أسباب فلاح في الدارينِ معا، والمؤمن يسعد بطاعة ربه ومولاه في الدارين، والكافر يشقى بطاعة هواه وشيطانه في الدارين.
إن كثيرا من الطاعات تأتي على خلاف هوى النفوس، لذلك وجب على العبد أن يستعمل فراغه فيما ينفعه، حتى لا تجُرَّه وساوس النفس إلى أسباب العَطَب والهلاك. فإذا روَّض نفسه على فعل ما ينفعه وجد حلاوة ذلك في نفسه، فلا يطاوع نفسَه بعد ذلك في تركه لأنه صار خلُقا وسجيَّةً.
ومن أسباب النجاح في هذه الدنيا: الاجتهاد في طلب العلم، وإنما يكون شرفُ المرْء ومنزلته بما حازهُ من المعارف والعلوم:
ومن طلب العلوم بغيرِ جِدٍّ  *  سيدركها متى ما شاب الغرابُ *
وقال بعض الصالحين: * لا يُستطاع العلم براحة الجسم *، فلا بد من الجد والاجتهاد في طلب العلم، مع الحرص على اغتنام أوقات النشاط، وأخذ الراحة اللازمة عند الملل والإعياء، لأنه مهما اجتهد العبدُ فلا ينبغي أن يكون اجتهاده فوق طاقته، فإذا حمَّل نفسه ما لا تطيقه كلَّت وملَّت. وللعلم ضوابطُ وآدابٌ أخرى منها: الاقتصار على مقدار الحاجة من الطعام والشراب، ولا ينبغي أن يزيد عليها، لأنه إذا امتلأ جوفه من الطعام والشراب استرخى وغلبه النوم وقلَّ فهمه وإدراكه وضعُف حفظه، وهذا مشهود بالتجربة، فلا يحتاج إلى توضيح. ثُمَّ إن الذين مَضَوْا من السلف الصالح لم يكن من عادتهم كثرة الامتلاءُ من الطعام والشراب، وهذه مصيبة عظيمة في علماء اليوم، فلذلك يكثر نِسيانهم للعلم، ولا يتدبرون ما يتعلمون، ولا يعملون بما تعلَّموه، فلا ينتفع الناس بعلومهم.
وأفضل العلوم وأشرفها على الإطلاق ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " من يرد الله به خيرا يُفقِّهْه في الدين "، وقال: " من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة "، وقال في فضل القرآن: " إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين " وقال تعالى: (لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكْرُكم، أفلا تعقلون)؟ أي فيه عِزُّكم وشرفكم، فكيف تتركونه وتبتغُون العز والشرف في غيره؟
ومنها الاجتهاد في ذكر الله باللسان وبالقلب: والذكر حصن للمسلم يحفظه من المصائب والبلايا ومن كيد الشيطان. وهذه مجموعة من الأذكار يحسن بالمسلم أن يواظب عليها ويتدبَّر معانيَها حتى ينتفع بها:
باب ما يقوله عند النوم: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ(1)، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ (2)، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ (3)، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ.
(1) نفسي أي روحي لأن الروح تقبض عند النوم، وووجهت وجهي معناه طاعته في الأوامر والمناهي وإخلاص العمل له بحيث يكون عملك لله لا رياء ولا سمعة. (2) توكلت عليك واعتمدت عليك، وثقتي فيك لا في غيرك. (3) إذا خفْتُ من غيرك لجأت إليك، وإذا خفت منك هربت إليك، فالهروب إليه لا محالة.
باب ما يقوله إذا فزع في نومه أو رأى في منامه ما يكره: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " إِذَا فَزِعَ أَحَدُكُمْ فِي النَّوْمِ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ ".
وقَالَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ وَيَتَحَوَّلُ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَلا يَذْكُرْهَا لأَحَدٍ فَإِنَّهَا لا تَضُرُّهُ ".
باب ما يقوله عند الاستيقاظ من النوم: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أوى إلى فراشه قال: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ(1). (1) البعث بعد الموت.
ما يقوله في الصباح وفي المساء: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، إلاَّ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ.
ما يقوله إذا خرج من بيته: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: مَنْ قَالَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، ولا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، يُقَالُ لَهُ كُفِيتَ وَوُقِيتَ وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ.
وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ(1)، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ. (1) الزلل هو عثور القدم.
وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا دخل بيته يقول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَوْلِجِ وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ، بِسْمِ اللَّهِ وَلَجْنَا(1) وَبِسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا، ثم يسلم على أهل البيت. (1) دخلنا.
الدعاء عند الحزن: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ.
هذا، وقد ذكرت جُملة من الأمور حسب ما تيسر، ومع ذلك فقد حاولت أن أختصر الأمور اختصارا، وأختارها اختيارا. أسأل الله أن أكون قدْ وُفِّقْتُ في هذا العمل، كما أسأل الله لي ولكم التوفيق؛ ومن الله نستمد المعونة أوَّلاً وآخرا، فليس لنا ملجأٌ ولا وَزَرٌ سواه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إن أهل الله في هذه الدنيا ـ وإن كانوا همُ الأقَلِّينَ عددا ـ فهم الأشرفون منزلةً، والأعَلْون عند الله قَدْرا.


ولئن كان أهل الشيطان همُ الأكثرين عددا ـ فإنهم الأقَلُّون قدرا، ولا يقيم لهم ربُّك يوم القيامة وزنا.  

ما جاء أن الأمور تجري بتصريف حكيم عليم

ما جاء في أن الأمور تجري بتصريف حكيم عليم:
قال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ، تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء، وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء، بِيَدِكَ الْخَيْرُ، إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) [سورة: آل عمران - الآية: 26- 27] فهذه الآية تبين أن الله هو الذي يعطي ويمنع، ويعز ويذل، وكان النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ.
وقال تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا، وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [سورة: فاطر - الآية: 2]
أي أنه سبحانه الغالب على أمره يفعل ما يشاء، يعطي ويمنع، ولا يمنعه أحد مما أراد.
وقال تعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ، وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ، يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [سورة: يونس - الآية: 107].
وفي حديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا غُلَامُ، أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ؟ فَقُلْتُ بَلَى، فَقَالَ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.
وقال تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا، وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا، كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [سورة: هود - الآية: 6].
المستقر في الدنيا، والمستودع في القبر الذي يدفن فيه، يعلم الله كل ذلك، وحتى من احترق أو أكلته السباع في البراري، فالله أعلم به وهو سيبعثه يوم القيامة.
قال تعالى: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) [سورة: الحجر - الآية: 21].
يعني ننَزل الرزق بمقدار معلوم حسب الحكمة، كما قال تعالى: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء، إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) [سورة: الشورى - الآية: 27]، أي لو وسع على عباده لدمروا الدنيا بالفساد والطغيان والتقاتل وإثارة الحروب وغيرها، ولكن ينَزل بحكمته ما يشاء.
وقال تعالى: (اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى، وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) [سورة: الرعد - الآية: 8-9]
 أي ما تنقص الأرحام من التسعة أشهر، أو ما تزيده عليها، كل ذلك بتدبير الحكيم العليم، عالم الغيب، أي ما غاب عنا، والشهادة ما نشاهده نحن.
قال تعالى: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) [سورة: الرعد - الآية: 38-39].
أي لكل وقت ما يقدره الله فيه من الأمور، ولا يمكن أن يكون شيء في غير أجله المقدر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابنته يعزيها لما مات ابنها: " إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ ". يمحو الله من الكتاب ما يريد، مثلا في علمه أن "فلانا" سعيد، أمر أن تكتب في الكتاب شقيا، ولكن علم أنَّها يتوب في وقت كذا وكذا، يأمر الله ملائكته يمحون الشقاء في الكتاب، ويثبتون مكانه السعادة، فصار فلان سعيدا بفضل ربِّه الذي يمحو ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب، أي أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ الذي كتبت فيه المقادير، يعني عنده لا عند غيره، هو يتصرف فيه. فعلم الله لا يتغير، ولكن يتغير ما كتب فقط.
وقال تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ، مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [سورة: القصص - الآية: 68]. أي هو سبحانه يختار لعباده ما يصلح لهم كما يختار منهم الأنبياء الذين يصلحون لتبليغ الرسالات، لأنه هو أعلم بمحال الاختيار. وذلك لما أنكر الكفار أن يرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم وقالوا: لو بعث الله إلينا رجلا غير يتيم أبي طالب، فرد الله عليهم بقوله:
(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ، نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا، وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [سورة: الزخرف - الآية: 32] أي كما قسمنا بينهم المعايش والأرزاق اخترنا منهم من يصلح للنبوة.
وقال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [سورة: القمر - الآية: 49]. أي بعلم ومقدار.
وقال تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا، إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) [سورة: الحديد - الآية: 22] أي ما يصيب من المصائب مكتوب في القدر قبل أن تُخلق، لكيلا نحزن على ما فاتنا ولا نفرح "أي نبطر ونفخر" بما أعطانا من النعمة.
وقال تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [سورة: التغابن - الآية: 11], أي أن المؤمن يعلم أن المصيبة من الله، فقلبه راض بما قضى الله.
وقال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا *) [سورة: الطلاق - الآية: 2]. هذه الآية تبين أن التقوى مفتاح الفرج، وأن المرء إذا وثق بربه كفاه الله ما أهمه، لأنه غالب يفعل ما يشاء.
وقال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا * ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) [سورة: الطلاق - الآية: 4]
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [سورة: البقرة - الآية: 153]، فيه فضل الصلاة والإكثار منها وإطالة ركوعها وسجودها وتدبر القرآن فيها، فهي من أعظم أسباب الفرج.
وقال تعالى: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [سورة: البقرة - الآية: 216]. قد يكره الإنسان شيئا ولكن ما جعل الله فيه من المنافع عظيم.
قال تعالى: (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ) [سورة: آل عمران - الآية: 140]. يبدل الله الأيام ويأتي بالبلاء ليظهر المؤمنون الصادقون من الكاذبين والمنافقين.

الأربعاء، 14 سبتمبر 2016

قصة إبراهيم الخليل، مع زوجه سارة، والسرية هاجر

أخرج البخاري ومسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلام بِسَارَةَ، فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ، أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ: دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، مَنْ هَذِهِ الَّتِي مَعَكَ؟ قَالَ: أُخْتِي، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: لَا تُكَذِّبِي حَدِيثِي فَإِنِّي أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتِي، وَاللَّهِ إِنْ عَلَى الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ، فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي، فَلا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ، قَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ: هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ تُصَلِّي، وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي، فَلا تُسَلِّطْ عَلَيَّ هَذَا الْكَافِرَ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ: هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ، فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلَّا شَيْطَانًا ارْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَعْطُوهَا آجَرَ؛ فَرَجَعَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلام، فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً ".
آجر: هي هاجر، كما في رواية مسلم.
وفي رواية لهما: " لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، قَوْلُهُ: (إِنِّي سَقِيمٌ)، وَقَوْلُهُ: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)، وَوَاحِدَةٌ فِي شَأْنِ سَارَةَ، وزاد في آخره: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ.
وإنما قال له إنّها أختي: لأنه إذا علم الجبار أنه زوجته، فإنه سيأخذها منه، ثم يقتله، ليأمن من شره، لأن الغيرة على زوجته ستدفعه إلى الانتقام من الملك، فلذلك سيضطر الملك إلى قتله، أما إذا قال أختي: فإنه سيأخذها منه ويتزوجها مثلا، وفي هذه الحالة ينتفي خوف الملك من ردة فعل إبراهيم، فلذلك قال له إبراهيم أختي، وفوض أمره إلى الله.
وفي الحديث المبادرة إلى الوضوء والصلاة عند نزول المكروه، أو عند الخوف منه. وفيه أن المؤمن قوي وليس بجبان، حيث إن المرأة لم تستسلم، بل ذهبت توضأ وتصلي، ولم تنتظر ما سيفعله الجبار. وأن المؤمن إذا غُلب على أمره فينبغي له أن يفوض أمره إلى الله، لأنه لا حيلة له.
وأما قوله: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاثا: فالمراد منه ما يجوز من الكذب على نحو ما ذكر في الحديث، وإلا فالأنبياء معصومون من الكذب المحرم.
وقوله: تلك أمكم: ظاهره أن العرب كلهم من ولد إسماعيل، وليس كذلك، وإنما بعضهم.
وفي رواية مسلم: فَقَالَ لَهَا إبرهيم: إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي، يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي، فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الإِسْلامِ، فَإِنِّي لا أَعْلَمُ فِي الأَرْضِ مُسْلِمًا غَيْرِي وَغَيْرَكِ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ، رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ فأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ، لا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَأُتِيَ بِهَا، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْه السَّلام إِلَى الصَّلاةِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً، فَقَالَ لَهَا: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، وَلَا أَضُرُّكِ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَةِ الأُولَى، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، فَلَكِ اللَّهَ أَنْ لا أَضُرَّكِ، فَفَعَلَتْ، وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ، وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ، قَالَ: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلام، انْصَرَفَ، فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: خَيْرًا، كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْفَاجِرِ، وَأَخْدَمَ خَادِمًا ".
مهيم: أي ما الخبر؟
أخرج البخاري من حديث ابْنِ عَبَّاس، قَالَ: " أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ، عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذًا لا يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:(رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)، وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى، أَوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ، حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا، وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا "؛ فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ: صَهْ، تُرِيدُ نَفْسَهَا، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ، أَوْ قَالَ: بِجَنَاحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ؛ فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ، وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ، قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ، أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ، لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا "، قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هَذَا الْغُلامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَهْلَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ، أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ، مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ، فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ، فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا، قَالَ: وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ، فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ وَلَكِنْ لا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ، فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الْأُنْسَ، فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الْغُلامُ، وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلامَ وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ، قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلامَ، وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتْ: اللَّحْمُ، قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتْ: الْمَاءُ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ، قَالَ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ، قَالَ: فَهُمَا لا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلامَ وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ؛ فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ؛ ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلاً لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ، جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَهُمَا، يَقُولانِ: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ".
وفي رواية للبخاري: " لَمَّا كَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ أَهْلِهِ مَا كَانَ، خَرَجَ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّ إِسْمَاعِيلَ، وَمَعَهُمْ شَنَّةٌ فِيهَا مَاءٌ ".

ما كان بينهما: يَعنِي مِن غَيرَة سارَةَ لَمّا ولَدَت هاجَر إِسماعِيل، وكانت سارة هي زوجته، لكن لما وهبها الملك الجبار هاجر، وهبتها سارة لإبراهيم، فصارت الزوجة الثانية لإبراهيم بملك اليمين، لكن لما ولدت، وكانت سارة لا تلد، غارت منها سارة، فأمر الله تعالى إبراهيم أن يبعد عنها هذه الأمة، وأن يسكنها مع ولدها إسماعيل بواد غير ذي زرع، وأنه سبحانه يتكفل بِهما. والمنطق: ما يشد به الوسط، وكانَ السَّبَب فِي اتخاذها المنطق،َ أَنَّ سارَةَ لما غارت منها لما ولدت إِسماعِيل، حَلَفَت لَتَقطَعَنَّ مِنها ثَلاثَة أَعضاء على ما روي، فاتَّخَذَت هاجَر مِنطَقًا فَشَدَّت بِهِ وسَطها وهَرَبَت وجَرَّت ذَيلها لِتُخفِي أَثَرها عَلَى سارَةَ. الدوحة: الشَّجَرَة الكَبِيرَة. والسقاء: قِربَة صَغِيرَة. قفى: أَي ولَّى راجِعًا إِلَى الشّام؛ يتلبط: يَتَمَرَّغ ويَضرِب بِنَفسِهِ الأَرض، المجهود: أي المتعب، أَي الَّذِي أَصابَهُ الجَهد، تحوضه: أَي تَجعَلهُ مِثل الحَوض؛ معينا: ظاهِرًا جارِيًا عَلَى وجه الأَرض. الضيعة: أَي الهَلاك؛ طائرا عائفا: الَّذِي يَحُوم عَلَى الماء ويَتَرَدَّد ولا يَمضِي عَنهُ؛ جريًّا: أَي رَسُولاً، أنفسَهم: ِمنَ النَّفاسَة أَي عظُمت رَغبَتهم فِيهِ. يطالع: أَي يَتَفَقَّد،(كَما يَصنَع الوالِد بِالولَدِ والولَد بِالوالِدِ) يَعنِي مِنَ الاعتِناق والمُصافَحَة وتَقبِيل اليَد ونَحو ذَلِكَ.