ما جاء في
الرشوة:
في سنن الترمذي ومسند أحمد من
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وفي مسند أحمد والترمذي وسنن أبي
داود وابن ماجه من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ. قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ
حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفي مسند أحمد من حديث ثَوْبَانَ
قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ يَعْنِي الَّذِي
يَمْشِي بَيْنَهُمَا
وفي سنن أبي داود ومسند أحمد من
حديث أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ بِشَفَاعَةٍ فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً
عَلَيْهَا فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا.
وفي مسند أحمد من حديث عَمْرِو
بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُولُ: مَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمْ الرِّبَا
إِلَّا أُخِذُوا بِالسَّنَةِ، وَمَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمْ الرُّشَا إِلَّا
أُخِذُوا بِالرُّعْبِ.
قال ابن الأثير في النهاية: الرِّشوة
الوُصلة إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرِّشا الذي يتوصل به إلى الماء، فالراشي
من يعطي الذي يعينه على الباطل . والمرتشي الآخذ، والرائش الذي يسعى
بينهما يستزيد لهذا أو يستنقص لهذا . فأما ما يعطى توصلا إلى أخذ حق أو دفع ظلم
فغير داخل فيه . وروى عن جماعة من أئمة التابعين قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن
نفسه وماله إذا خاف الظلم . انتهى كلام ابن الأثير .
الرشوة ما يعطى لإبطال حق أو
لإحقاق باطل . أما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو ليدفع به عن نفسه ظلما فلا بأس به
.
والرشوة من طرق الكسب المحرمة،
ومن أكل أموال الناس بالباطل الذي ورد به الوعيد الشديد، قال تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُواْ
أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ
لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ
تَعْلَمُونَ) [سورة: البقرة - الأية: 188] قال ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه
مال، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه،
وهو يعلم أنه آثم آكل الحرام. وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والسدي أنهم
قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم فلعل
بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من
نار فليأخذها أو ليذرها ". قال
تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ
بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ)
[سورة: النساء - الأية: 29].
وقال الله تعالى في أهل الكتاب: (سماعون للكذب أكالون للسحت) روي أنه كان القاضي ببني إسرائيل إذا اختصم له خصمان رفع أحدهما الرشوة في كمه، فأراها إياه فلا يسمع إلا قوله.
وقال الله تعالى في أهل الكتاب: (سماعون للكذب أكالون للسحت) روي أنه كان القاضي ببني إسرائيل إذا اختصم له خصمان رفع أحدهما الرشوة في كمه، فأراها إياه فلا يسمع إلا قوله.
وعن شقيق البلخي قال: أهديتُ لسفيان الثوري ثوباً، فرده علي؛ قلت له: يا أبا عبد الله، لست أنا ممن يسمع لحديث
حتى ترده علي؛ قال: علمت أنك ليس ممن يسمع الحديث، ولكن أخوك يسمع مني الحديث،
فأخاف أن يلين قلبي لأخيك، أكثر مما يلين لغيره.
كما نهى الإسلام عن الهدايا
للعمال، ففي صحيح البخاري ومسلم من حديث أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ عَامِلًا،
فَجَاءَهُ الْعَامِلُ حِينَ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَالَ لَهُ: أَفَلَا
قَعَدْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ فَنَظَرْتَ أَيُهْدَى لَكَ أَمْ لَا؟
ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةً بَعْدَ
الصَّلَاةِ، فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ:
أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ الْعَامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ، فَيَأْتِينَا فَيَقُولُ
هَذَا مِنْ عَمَلِكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ
وَأُمِّهِ فَنَظَرَ هَلْ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ
بِيَدِهِ لَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا جَاءَ بِهِ لَهُ
رُغَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً جَاءَ بِهَا لَهَا خُوَارٌ، وَإِنْ كَانَتْ
شَاةً جَاءَ بِهَا تَيْعَرُ، ألا هل بَلَّغْتُ؟ فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: ثُمَّ
رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ حَتَّى إِنَّا
لَنَنْظُرُ إِلَى عُفْرَةِ إِبْطَيْهِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ
الْعَزِيزِ: كَانَتْ الْهَدِيَّةُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً وَالْيَوْمَ رِشْوَةٌ، علقه البخاري، ورواه ابن سعد
من طريق فرات بن مسلم قال : اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد في بيته شيئا
يشتري به , فركبنا معه , فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح , فتناول واحدة فشمها ثم
رد الأطباق , فقلت له في ذلك فقال : لا حاجة لي فيه , فقلت : ألم يكن رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية ؟ فقال : إنها لأولئك هدية وهي
للعمال بعدهم رشوة .
وقد جعل الله لعباده سعة في
الحلال، فلا حاجة بهم إلى الحرام، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ
مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ *).
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ
إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ *).
وقال تعالى: (وَلاَ
تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ *).
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ
تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ
اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً
طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ *).
وقال تعالى: (قُل لاَّ يَسْتَوِي
الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ
اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* ).
وقل شعيب لقومه: ( بَقِيَّةُ
اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ
*).
وحث الإسلام على السعي في طلب الرزق بطرق الحلال، قال
تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن
فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *). وقال
تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي
مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ *). وفي صحيح مسلم من
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ
الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ
وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ
أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ
فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ.
وعمل الشيطان هو تثبيط الهمم ، وتحبيب العجز والكسل
للنفوس، فإذا قال ما شاء الله جدد عزمه واتخذ الأسباب من جديد.
وذكر العلماء أن طرق الكسب منها
ما هو مباح ككل الصنائع والحرف من تجارة وصناعة، ومنها ما هو مكروه ككسب الحجام
والكسب عن طريق السؤال، ففي البخاري ومسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ
عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ
أَوْ مَنَعَهُ . وفيهما أيضا من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَزَالُ
الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي
وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ ". أي أنه يبعث ذليلا كما كان يذل نفسه بالسؤال.
ومنها ما هو محرم كالسرقة والغش والغلول والرشوة وغيرها من الطرق المحرمة المعلومة.
وفي سنن ابن ماجه وصحيح ابن حبان: من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَيُّهَا
النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ
تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا
اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ ".
وفي الطبراني من حديث عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " نَفَثَ رُوحُ الْقُدُسِ فِي رَوْعِي أَنَّ
نفْسًا لَنْ تَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا،
وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلا يَحْمِلَنَّكُمُ
اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ
لا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلا بِطَاعَتِهِ ". أي لا ينبغي أن ينال إلا بطاعته.
ومن أضرار الرشوة على
الفرد والمجتمع:
1 - أنها تُفسد أخلاق الفرد، تجعله أنانيا يسعى وراء
تحقيق منافعه على حساب مصالح الناس.
2 – تقضي على روح المحبة والتراحم والتعاطف الذي هو
قوام المجتمع المسلم.
3 – انتشار الظلم ، وفساد ذات البين وتضييع الحقوق.
4 – نشر العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع.
إلى غير ذلك من الأضرار التي
يتخبط فيها المتخبطون ممن لا يعظمون حرمات الله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق